الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٠٧ - فصل في الأمر المؤقت بوقت محدود هل يجب في أوله أو آخره
- وإنما ذلك النادر - والذي فرط في قضاء رمضان أفطره السفر أو مرض ، فأما العامد للفطر بغير عذر فليس عليه صيام ، وإنما عليه إثم ترك الصيام ، وفي هذا كفاية لمن عقل ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وكل أمر علق بوصف ما ، لا يتم ذلك للعمل المأمور به إلا بما علق به فلم يأت به المأمور كما أمر ، فلم يفعل ما أمر به فهو باق عليه كما كان ، وهو عاص بما فعل ، والمعصية لا تنوب عن الطاعة ، ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل ، فمن ذلك : من صلى بثوب نجس أو مغصوب وهو يعلم ذلك ، ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل ، أو صلى في مكان نهي عن الإقامة فيه كمكان نجس ، أو مكان مغصوب ، أو في عطن الإبل ، أو إلى قبر ، أو من ذبح بسكين مغصوبة ، أو حيوان غيره بغير إذن صاحبه ، أو توضأ بماء مغصوب ، أو بآنية فضة ، أو بإناء ذهب ، فكل هذا لا يتأدى فيفرض ، فمن صلى كما ذكرنا فلم يصل ، ومن توضأ كما ذكرنا فلم يتوضأ ، ومن ذبح كمذكرنا فلم يذبح وهي ميتة لا يحل لاحد أكلها لا لربها ولا لغيره ، وعلى ذابحها ضمان مثلها حية ، لأنه فعل كل ذلك بخلاف ما أمر . وقال عليه السلام : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .
قال علي : وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين ، وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه ، وعن الإقامة في المكان المغصوب ، وأمر بالإقامة للصلاة ، وبتذكية ما يحل أكله ، وبضرورة العقل ، علمنا أن العمل المأمور به هو غير العمل المنهي عنه ، ولا يتشكل في العقل غير ذلك ، فذبحه حيوان غيره أو بسكين مغصوبة ليس هو التذكية المأمور بها ، فإذا لم يذك كما أمر فلم يحل بذلك العمل المنهي عنه أكل ما لا يحل أكله إلا بالتذكية المأمور بها ، ولا شك في أن إقامته في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة ، ولو كان ذلك لكان الله عز وجل آمرا بها ، ناهيا عنها إنسانا واحدا ، في وقت واحد ، في حال واحدة ، وهذا مما قد تنزه الحكيم العليم في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وليس اجتناب الشئ والآتيان به في وقت واحد في وسع أحد ، فصح ما قلنا ، وبالله التوفيق .
وقد عارض في هذا بعض أهل الاغفال بمن طلق أو أعتق في مكان مغصوب ، أو صبغ لحيته بحناء مغصوبة ، أو تعلم القرآن في مصحف مغصوب .