الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٧٣ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
لأعنتكم ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا ، فأمر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمع ، أن ما أمر به عليه السلام فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة ، وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط ، وأن ما نهى عليه السلام عنه فواجب اجتنابه . ثنا عبد الله بن يوسف - بالسند المذكور إلى مسلم - قال : ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا أبو علي الحنفي ، ثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزبير المكي ، أن أبا الطفيل عامر بن وائلة ، أخبره أن معاذ بن جبل أخبره ، وقال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال : فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، العين مثل الشراك تبض بشئ من ماء قال : فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا . قالا : نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول . ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته صلى الله عليه وسلم .
قال علي : فهذان استحقا السب من النبي صلى الله عليه وسلم ، لخلافهما نهيه في مس الماء ، ولم يكن هناك وعيد متقدم ، فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا ما خصه نص ، ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبه إلى مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أخبرني الله تعالى فقال : * ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين قال : إنه منا فق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره قال علي : ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شئ على ظاهره ، فحمل