الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٤٦ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
لو كان العموم حقا لما انتقل لفظه إلى خصوص ، أن يقولوا : لو كانت الحياة حقا لما انتقل حاملها إلى الموت ، هذا مع افتقار دليلهم هذا إلى دليل ، وأنه دعوى مجردة ساقطة ، لان دعواهم أن انتقال الشئ عن مرتبته مبطل لكونها مرتبة لها دعوى ساقطة ، يشبه سؤال السوفسطائية واليهود ، وقد أبطلنا استدلالهم في ذلك في كتاب الفصل بحمد الله تعالى .
قال علي : وقالوا أيضا : لو كان العموم حقا لما حسن الاستثناء منه ، وصرفه بذلك إلى الخصوص .
قال علي : وهذا غاية التمويه ، لان العموم صيغة ورود اللفظ الجامع لأشياء ركب ذلك اللفظ عليها ، فإذا جاء الاستثناء ، كان ذلك اللفظ مع الاستثناء معا صيغة للخصوص ، وهذا نص قولنا ، فورود الاستثناء عبارة عن الخصوص وعدم الاستثناء عبارة عن العموم .
قال علي : ثم يعكس عليهم هذا السؤال نفسه فيقال لهم : لو كان للخصوص صيغة لما كان للاستثناء معنى ، لأنه لم يكن يستفاد به فائدة أكثر مما يفهم من اللفظ قبل ورود الاستثناء ، وقد قدمنا أنه إنما يلزم القضية من صححها وسأل بها ، وأما نحن ، فهذه كلها سؤالات فاسدة ، ولكنها لهم لازمة إذا ابتدؤوا بالسؤال بها .
وقالوا أيضا : لو كان اللفظ يقتضي العموم ما حسن فيه الاستفهام ، أخصوصا أراد أم عموما ؟ فلما حسن فيه الاستفهام علمنا أنه لا يقتضي العموم بنص لفظه .
قال علي : وهذا كالأول ، وإنما يحسن الاستفهام من جاهل بحدود الكلام ، واستفهام المستفهم عن الآية أو الحديث مذموم ، وقد أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اتركوني ما تركتكم ، ثم نعكس عليهم هذا السؤال نفسه فنقول لهم : لو كان اللفظ يفهم منه الخصوص ، لما كان للاستفهام معنى .
قالوا : ألا ترى أن السؤال والاستفهام لا يحسن في الخبر عن الواحد ، لأنه مفهوم من نص لفظه .
قال علي : وهذا خطأ ، لان الاستفهام يحسن في الواحد كحسنه في العموم ، وذلك أن يقول القائل : أتاني اليوم زيد ، فيقول السامع : أجاءك زيد نفسه ؟
إما على سبيل الاكبار ، وإما على سبيل السرور ، أو على بعض الوجوه المشاهدة ،