الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٨٥
فصل من العموم قال علي : العموم قسمان : منه مفسر ، ومنه مجمل ، فالمجمل هو الذي لا يفهم من ظاهره معناه ، والمفسر قد ذكرناه ، وأما المجمل فلا بد من طلب المراد فيه من أحد موضعين : إما من نص آخر ، وإما من إجماع ، فإذا وجدنا تفسير تلك الكلمة في نص آخر قلنا به وصرنا إليه ، ولم نبال من خالفنا فيه ولا استوحشنا منه كثروا أو قلوا صغروا أو جلوا ، ولم نتكثر بمن وافقنا فيه كائنا من كان من قديم أو حديث أو قليل أو كثير ، وليس ممن كان معه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قلة ، ولا ذلة ولا وحشة إلى أحد ، ولا فاقة إلى وفور عدد ، فإذا لم نجد نصا آخر نفسر هذا المجمل ، وجب علينا ضرورة فرض طلب المراد من ذلك المجمل في الاجماع المتيقن المنقول عن جميع علماء الأمة - الذين قال تعالى فيهم : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ) * - وكيفية العمل في ذلك أن نأخذ بما أجمعوا عليه من المراد بمعنى ذلك المجمل ، ونترك ما اختلفوا فيه ، فهذا هو حقيقة ما أمرنا به من الاخذ بالاجماع ، وترك كل قول لم يقم عليه دليل . وهذا الذي نسميه استصحاب الحال ، وأقل ما قيل .
فإن قال قائل : إن هذان اسمان مختلفان في المعنى ، فما الفرق بينهما ؟ ولم صرتم إلى أحدهما في بعض الأمكنة ؟ وإلى الآخر في أمكنة أخرى ، وما حد المواضع التي تأخذوا فيها باستصحاب الحال ، وما حد المواضع التي تأخذون فيها بأقل ما قيل وأنتم تسمون فعلكم في كلا الموضعين اتباعا للاجماع ، وإجماعا صحيحا ، وأنتم لا تسمون من أنفسكم بإجمال لا تستطيعون تفسيره ، وتعيبون بذلك أصحاب القياس أشد عيب قيل له ، وبالله تعالى التوفيق . صدقت في صفتك وأحسنت في سؤالك ، والجواب عما سألت عنه ، إن الذي عملنا فيه بأن سميناه أقل ما قيل ، فإنما ذلك في حكم أوجب غرامة مال أو عملا بعدد لم يأت في بيان مقدار ذلك نص ، فوجب فرضا ألا نحكم على أحد لم يرد ناقض في الحكم عليه إلا بإجماع على الحكم عليه ، وكان العدد الذي قد اتفقوا على وجوبه وقد صح الاجماع في الحكم به ، وكان ما زاد على ذلك قولا بلا دليل ، لا من نص ولا إجماع ، فحرام على كل