الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٧٦ - فصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه ؟
وقال تعالى * ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) * فلا شئ بعد النص المذكور آنفا أعم ولا أكثر معاني من هذا النص الثاني . فلو لم يرد غيرهما لحرم النكاح جملة ، والوطئ بالبتة ، ولكان النساء كلهن مستثنيات مما أبيح النص الأكثر المذكور آنفا ، فلو لم يرد غير هذين النصين لحرم النساء جملة .
وقال تعالى : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * فكان هذا مبيحا لما حظر النص المذكور الذي فيه حفظ الفروج ، لو لم يرد غير هذه النصوص لوجب الاخذ بالتحريم ، لان الآية التي فيها إباحة النكاح موافقة للنص الأكثر الذي فيه إباحة كل ما في العالم ، وإنما هي تأكيد وتكرار كسائر ما في القرآن من التكرار والتأكيد الذي أورده الله تعالى كما شاء ، * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * كما كرر تعالى أخبار الأنبياء عليهم السلام : * ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * و * ( أطيعوا الرسول ) * فكرر إباحة نكاح النساء كما شاء .
ولسنا نقول : إن شيئا من هذه النصوص قبل كل شئ ، ولا أن شيئا منها بعد شئ ، وسواء نزل بعضها قبل بعض ، أو نزلت معا ، لا فرق عندنا بين شئ من ذلك ، وليس شئ مما نزل بعد رافعا لشئ نزل قبل إلا بنص جلي في أنه رافع له ، أو بإجماع على ذلك ، وإلا فهو مضاف إليه ومعمول به معه ضرورة لا بد من ذلك ، فلما صح ما قلنا من استثناء تحريم النكاح جملة مما أباح تعالى لنا ، ووجدناه تعالى قد استثنى إباحة النكاح من حفظ الفروج استثناء تاما بقوله تعالى : * ( والذين هم لفروجهم حافظون ئ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ئ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) * فصح يقينا أن الزواج وملك اليمين مستثنى مما حرم من إهمال الفروج .
ثم وجدها هذا الاستثناء يحتمل أن يؤخذ به على عمومه ، فيخص به من آية التحريم أشياء كثيرة : منها الأختان بملك اليمين ، والام والابنة بملك اليمين ، والكتابية بملك اليمين ، والحائض والمحرمة والصائمة فرضا ، والحريمة بصهر أو رضاع ، ويحتمل ألا يخرج من النص الذي فيه تحريم إهمال الفروج جملة إلا ما خص نص جلي أو إجماع متيقن على إخراجه منه ، فلو أخرجنا من النص الذي فيه تحريم إهمال الفروج كل ما يحتمل إخراجه ، لكنا قد أسقطنا ما تيقنا