الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٥٥ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
وقد حمل مالك قوله تعالى : * ( وأنتم عاكفون في المساجد ) * على عموم جميع المساجد بنص اللفظ ، لا بدليل زائد ولا بيان وارد ، وحمل قوله تعالى : * ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) * على جميع الأزواج ، بلا دليل زائد ، وليس شئ من ذلك إجماعا .
وحمل هو وأبو حنيفة قوله تعالى : * ( وأن تجمعوا بين الأختين ) * على عمومه في النكاح والوطئ بملك اليمين .
وحملوا كلهم أيضا قوله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) * على عموم بلا دليل ، بل الدليل قام على خصوص ذلك ، فأبوا من قبوله ، فبان تناقضهم في ذلك ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : ويلزمهم أيضا ألا يحكموا بالاجماع ، إذ لعل ههنا خلافا لم يبلغهم ولا يحكموا بنص ، إذ لعله منسوخ ولا يقاس لان القياس لا يكون إلا على نص أو إجماع والوقف واجب في النقص والاجماع ، فبطل الدين كله على قول هؤلاء القوم .
قال علي : ويقال لهم : ما الفرق بينكم وبين من خص بالخطاب بعض الأزمان دون بعض ، كما خصصتم أنتم بعض الأعيان دون بعض ؟ فإن قالوا :
إن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليحكم في كل زمان . قيل لهم : وكذلك أيضا بعث عليه السلام ليحكم على كل أحد في كل عين ولا فرق .
قال علي : وقد بينا في غير ما مكان أن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم ، فلا بد لكل معنى من اسم مختص به : فلا بد لعموم الأجناس من اسم ، ولعموم كل نوع من اسم ، وهكذا أبدا إلى أن يكون لكل شخص اسمه ، ومن سعى في إبطال هذا فهو سوفسطائي على الحقيقة ، عاكس للأمور على وجوهه ، مفسد للحقائق ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره .
قال علي : ولا فرق بين الاخبار بالأوامر في كل ذلك وكل اسم فهو يقتضي عموم ما يقع تحته ، ولا يتعدى إلى غير ما يقع تحته ، والوعد والوعيد في كل ذلك كسائر الخطاب ولا فرق ، والحديث والقرآن كله كاللفظة الواحدة ، فلا يحكم بآية دون أخرى ، ولا بحديث دون آخر ، بل بضم كل ذلك بعضه إلى بعض ، إذ ليس