الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٧١ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
فقد عصى الله ورسوله ، ومن عصاهما فقد ضل ضلالا بعيدا ، واستحق النار ، وأن لا يدخل الجنة ، بنص كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا . قال علي : ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم افعل - أمرا - كذا فيقول المأمور : لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل ، ومباح لي أن أترك ما أمرتماني به . أو يقول الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم لا تفعل - أمرا - كذا فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله ، ومباح لي أن أفعل ما نهيتماني عنه .
قال علي : ما يعرف أحد من العصيان غير هذا . والحجة على هؤلاء القوم أبين في العقول بيانا وأقرب مأخذا منها على المشركين ، لان المشركين لا يقرون بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما الكلام معهم في إثبات ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يقولون لنا : لا نطيع ، وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما . نعوذ بالله من الخذلان ومن التمادي على الباطل بعد وضوحه .
واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب ، عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطن ، وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد ، عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن القرآن ذلول ذو وجوه ، فاتقوا ذله وكثرة وجوهه ، وبه إلى ابن وهب ، أنبأ مسلمة بن علي ، عن هشام ، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فذكر حديثا ، وذكر فيه القرآن وفيه : وما منه آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع .
قال علي : هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا ، ولو صحت لما كان لهم في شئ منها حجة بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن ، لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن ، ولا بقول قائل ، لكن ببيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم ، فإن أوجدونا