الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٥٢ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
فإنه يقال لهم : أبنص صح عندكم هذا القول أم بإجماع ؟ فإن قالوا : بنص ، أو ذكروا دليلا ما ، كذبوا ، وادعوا ما لا يجدون أبدا ، وكانوا مع كذبهم قد تركوا قولهم بألا يقولوا إلا بما أجمع عليه ، لأنهم يقولون بالنص ، وإن خالف الاجماع ، وإن قالوا : قلنا ذلك بإجماع كذبوا وجاهروا . وبالجملة فهذا مذهب لم يخلق له معتقد قط ، وهو ألا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الاجماع ، بل قد أصبح الاجماع على أن قائل هذا القول معتقدا له كافل بلا خوف لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها .
قال علي : وقالوا أيضا : إن على المراد بالكلام دلائل تدل على الرضا والسخط ، من تغيير اللون ، وحدة الامر والنجه والبشر . قيل لهم وبالله تعالى التوفيق :
ليس هذا مما نحن فيه ، ولا كون هذه الأحوال مما يمنع من إخراج الامر على العموم ، ثم نعكس عليهم هذا في قولهم بالخصوص والوقف فيلزمهم الوقف إلى أن يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وفي هذا إبطال الدين والخروج عن الاسلام ، وتشبه هذه التساؤلات أن تكون سؤالات ملحد جاهل قليل الحياء .
وقالوا أيضا : إنكم اعتقدتم العموم فيما أراد الله تعالى به الخصوص ، فقد خالفتموه عز وجل ، قيل لهم وأنتم إن أردتم الخصوص فيما أراد الله تبارك وتعالى العموم ، فقد خالفتموه عز وجل ، وإن اعتقدتم الوقف فيها حكم الله تعالى فيه بما حكم ، من عموم أو خصوص - فلا بد من أحدهما - فقد خالفتم الله عز وجل بيقين لا شك فيه ، ولا شك في أن الله تعالى لم يرد قط في شئ من أحكامه وقفا ، بل أنفذ تعالى الحكم بما أنفذ .
وأيضا فنحن قاطعون على أن كل أمر لم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على عمومه ، فهو على عمومه بلا شك ولا مرية ، نقطع على ذلك عند الله عز وجل ، ونقطع أيضا بأن كل من بلغه العموم ولم يبلغه الخصوص ، أو بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ ، فإن الله تعالى لم يلزمه قط إلا ما بلغه لا ما لم يبلغه ، قال تعالى