الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٦٢ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل ، وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى ما ، فأوقعت أيضا على غير ذلك .
قال علي : ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم ، أنكم قد وجدتم آيات كثيرة ، وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها ، أن تتوقفوا في كل آية ، وفي كل حديث ، لاحتمال كل شئ منها في نفسه أن يكون منسوخا ، كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندبا فإن التزمتم ذلك كفرتم ، وخرجتم عن الاسلام ، وإن أبيت التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى يصح أنها إما إيجاب أو ندب .
قال علي : وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية ، وحديث من أجل وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات ، وبين ما التزموا من التوقف عن كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب - فرق البتة ، بل هو ذلك بعينه لسنا نقول : إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد ، وبيان ذلك : أن المنسوخ هو الذي لا يلزم أن يستعمل ، أو يجوز أن يستعمل ، والمندوب إليه هو الذي لا يلزم فرضا أن يستعمل أيضا ، فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال اجتماعا مستويا ، وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله ، والمنسوخ ليس مباحا استعماله في بعض الأحوال فقط ، فبطل تمويههم - وبالله تعالى التوفيق - بإقرارهم أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظا مصروفة عن مواضعها في اللغة ، يجوز أن يتوقف في سائر الألفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها ، فقد بطل الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه ، وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإن لفظة أو ولفظة إن شئت مفهوم منهما التخيير بلا خلاف منا ومنهم ، ومن جميع أهل اللغة ، وقد سمعناه تعالى يقول فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وسمعناه تعالى يقول : * ( قل كونوا حجارة أو حديدا ) * وجدنا الدليل البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر ، فيلزم على دليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة أو ولا لفظة إن شئت أبدا على التخيير ، لأنه يقال لهم كما قالوا : لو كانت لفظتا أو وإن شئت على التخيير لكانت متى وجدت لما تكن إلا للتخيير ، فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير .