الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٥٨ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
تاب عن اتباع إبليس ، وفيمن تساوت حسناته وسيئاته التي اتبع فيها إبليس فجاء التخصيص كما ترى بعد التأكيد ، فبطل احتجاجهم بالتأكيد ، ولزمهم ألا يحملوا خطابا على عمومه أبدا ، أكد أو لم يؤكد ، ولزمهم الوقف أبدا وألا ينتفعوا بتأكيد ولا غيره .
فإن قالوا : إنه يلزمهم إذا ورد الاستثناء ، أن تقرروا بأن ذلك الخطاب أريد به الخصوص ، قلنا لهم : وكذلك نقول : ولسنا معترضين على ربنا تعالى ، ولا على نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولا نعلم إلا ما علمنا تعالى ، ولا ننكر صرفهما الألفاظ عن وجوهها ولا شرعهما الشرائع علينا ، ولا تحريم ما حرما ، ولا تحليل ما حللا ، ولو أمرانا بقتل آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا لسارعنا إلى ذلك مبادرين ، أو أمسكنا مقرين بالمعصية غير داعين إلى ضلالة ، ولا مصوبين لذنوبنا ، بل مستغفرين الله تعالى من ذلك ، راغبين في التوبة .
قال علي : وما أخوفني أن يكون ملقي هاتين النكتتين من القول بالوقف ، في اتباع الظاهر وفي الوجوب ، وفي العموم وفي الفور ومن القول بصرف الألفاظ الواردة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى تأويل بلا دليل ، وإلى سقوط الوجوب بلا دليل ، وإلى الخصوص بلا دليل ، وإلى التراخي بلا دليل كافرا مشركا زنديقا مدلسا على المسلمين ، ساعيا في إبطال الديانة ، فإن هذه الملة الزهراء الحنيفية السمحة كيدت من وجوه خمسة ، وبغيت الغوائل من طرق شتى ، ونصبت لها الحبائل من سبل خفية ، وسعي عليها بالحيل الغامضة ، وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم ، وتسمى باسمهم ، ودس لهم سم الأساود في الشهد والماء البارد ، فلطف لهم في مخالفة القرآن والسنة ، فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه ، وبه تعالى نستعيذ من البلاء ، ونسأله العصمة بمنه ، لا إله إلا هو .
فلتسؤ ظنونكم أيها الناس بمن يحسن لكم مفارقة ظاهر كلام ربكم تعالى ، أو كلام نبيكم صلى الله عليه وسلم بغير بيان منها ، أو إجماع من جميع الأمة ، وبمن يزين لكم التأخر عن طاعتها ، ويسهل عليكم ترك الانقياد لهما ، ويقرب لديكم التحكم في خطابهما ، والفرق بينهما بطاعة بعض ومعصية بعض ، وهذا هو التخصيص الذي يدعونه بلا دليل ، وبالله نعتصم .