الدّرر النجفيّة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٥ - (١٩) درّة نجفيّة في الجواب عن بعض الإشكالات الواردة على الأخباريين
من الوجوه فأخذ به وعمل عليه ، فلو فرض خطؤه واقعا ؛ لقصور فهمه مثلا ، أو لعذر آخر خارج عن وسعه وجهده ، فهو غير مؤاخذ ولا مستحقّ للذمّ والتأثيم ؛ إذ هو أقصى تكليفه من العليم الحكيم. وحديث العابد الذي كان يعبد الله في جزيرة من جزائر البحر المشعر باعتقاده التجسيم كما رواه في كتاب العقل والجهل من (الكافي) [١] مؤيّد لما ذكرناه ومحقّق لما أسطرناه ؛ فإنه إذا استحقّ الثواب على عبادته مع دلالة ظاهر الخبر على ما ذكرنا من اعتقاده التجسيم من حيث إن هذا أقصى ما رزق من العقل ، فبطريق الأولى ما نحن فيه ، كما لم يخفى على الفطن النبيه.
الرابع : ما ذكره في القسم الثاني من قسم الاختلاف في الفتاوى من أن (سببه الاستنباطات الظنيّة ، ومن المعلوم أنه لم يرد إذن من الله في ذلك) ـ إلى آخره ـ وفيه بعد ما قدّمنا بيانه وشددنا أركانه من وقوع الاختلاف في الأحكام باختلاف الأنظار والأفهام ، أنه كان ذلك الاستنباط المشار إليه ناشئا عن شيء من الأدلّة العقلية والقواعد الاصوليّة الخارجة عن (الكتاب العزيز) والسنّة النبويّة ، فما ذكره مسلّم ، وإلّا فهو ممنوع. وكيف لا ، وقد عرفت مما قدّمنا أن التكليفات الإلهيّة إنما وقعت منه سبحانه على قدر ما رزقه من العقول والأذهان ، وأن الناس فيها يختلفون بالزيادة والنقصان؟
وهذه الاستنباطات الظنيّة التي يكررها في غير مقام ويشنّع بها على سائر العلماء الأعلام ، ليست إلّا عبارة عمّا ذكرنا من النظر في الدليل بما رزقوه من العقول والأفهام ، والعمل بما فهموه من ذلك الدليل من نقض وإبرام.
نعم ، قد يدّعى أن ما يفهمه وكذا من حذا حذوه يسمى علما لا ظنا ، وسائر
[١] الكافي : ١ : ١١ ـ ١٢ / ٨.