مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٦ - الفصل الاعتراض عليه من جهة التناقض فى كلامه


عدده فى عدد معلوم، لكن الرصد قد دل على أن الأفلاك تسعة، و قام الدليل على أن لكل فلك نفسا، و لكل نفس عقلا، و العقول المفارقة تسعة و النفوس تسع.

ثم اعترض على ذلك فقال: أتعبتم أنفسكم معاشر الحكماء عن استنباط أمثال هذه المعانى الدقيقة التي لا يرتضيها الفقيه لنفسه فى مظان المظنونات، و لا يربط بها حكما من الشرعيات، فكيف الحكيم الذي يتكلم فى أعلى علوم الالهيات/ ١٠٥؟! أ ليس الامكان قضية شاملة لجميع الممكنات؟ فلئن كان العقل الأول باعتبار امكانه مبدعا للهيولى التي لها طبيعة عدمية، فكل موجود ممكن حاله فى الامكان حال العقل الأول، فليصلح مبدعا للهيولى.

و إن كان العقل باعتبار وجوب وجوده بالأول مبدعا للصورة التي لها طبيعة وجودية، فكل موجود واجب بالغير حاله فى الوجوب حال العقل الأول، فليصلح مبدعا للصورة، و ليس الأمر كذلك/ ١٠٦.

و لو عكس الأمر فى ترتيب الكائنات حتى يكون العقل الأول آخرا و الجسم المركب أولا، لم يكن الأمر بذلك المستبعد الذي قرره، فان الجسم انما يتكثر بالصورة و الهيولى، و العقل يتكثر بالوجوب و الامكان. فالصورة كالوجوب و الهيولى كالامكان، و اذا جاز أن يصدر عنه شى‌ء هو هيولى و صورة و لا يتكثر الواجب به كما لم يتكثر بذلك/ ١٠٧.

و نقول: لو كان العقل الأول من حيث إمكانه مكانه موجبا للهيولى، و من حيث وجوبه موجبا للصورة، لكان الموجود الثاني بعد العقل الأول هو الجسم المركب من مادة و صورة، و لكانت المفارقات بعده فى الوجود. و هذا خلاف ما أوردوه فى كتبهم فى ترتيب الموجودات.

و ربما يقول ابن سينا فى بعض تعاليقه: أن العقل الأول بما يعقل ذاته، يصدر عنه نفس، و بما يعقل الأول، يصدر عنه عقل/ ١٠٨.

و ربما يقول فى بعض مصنفاته: أنه يصدر عنه نيف و أربعون عقلا هى المفارقات.

و قد تخبط كلامه فى هذا الموضع عامة التخبط، فلم يمكنه أن يورد ذلك بناء على برهان قويم و صراط مستقيم. و من تعاطى علم ما فوقه، ابتلى بجهل ما تحته/ ١٠٩.

و نقول: مثل هذه الوجوه و الاعتبارات التي فى العقل الأول، لو أوجبت موجودات عقلية معا متكثرة بأعيانها و لم توجب كثرة فى ذات العقل، لجاز أن يصدر عن الواجب بمثل هذه الوجوه و الاعتبارات موجودات عقلية معا متكثرة بأعيانها، و لا يوجب ذلك كثرة فى ذات واجب الوجود حتى يقال: بأن يعقل ذاته، صدر عنه عقل، و بأن وجب وجوده، فاضت عنه نفس، و بأن عقل العقل الأول، صدر عنه اما صورة أو هيولى و صورة الى غير ذلك من التحكمات.

فلا يمتاز وجه عن وجه، و لا اعتبار عن اعتبار/ ١١٠.