دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٧٨ - دلائل النبوة في خصائص التصور الإسلامي
(١) هذه هي الصورة الشائعة للتصورات في الجزيرة العربية نضيفها إلى ذلك الركام من بقايا العقائد السماوية المنحرفة، التي كانت سائدة في الشرق و الغرب، يوم جاء الإسلام، فتتجمع منها صورة مكتملة لذلك الركام الثقيل، الذي كان يجثم على ضمير البشرية في كل مكان، و الذي كانت تنبثق منه أنظمتهم و أوضاعهم و آدابهم و أخلاقهم كذلك.
و من ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، و تحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الألوهية، و علاقتها بالخلق، و علاقة الخلق بها .. فتستقر عليها نظمهم و أوضاعهم، و علاقاتهم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و آدابهم و أخلاقهم كذلك. فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، و تتبين خصائصها و اختصاصاتها.
و عنى الإسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص و الصفات الإلهية المتعلقة بالخلق و الإرادة و الهيمنة و التدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين اللّه و الإنسان .. فلقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد و الفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير الأثر في الضمير البشري و في الحياة الإنسانية كلها.
و لقد جاء الإسلام- و هذا ما يستحق الانتباه و التأمل- بما يعد تصحيحا لجميع أنواع البلبلة، التي وقعت فيها الديانات المحرفة، و الفلسفات الخابطة في الظلام. و ما يعد ردا على جميع الانحرافات و الأخطاء التي وقعت فيها تلك الديانات و الفلسفات .. سواء ما كان منها قبل الإسلام و ما جدّ بعده كذلك ..
فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين .. المصدر الذي يحيط بكل ما هجس في خاطر البشرية و كل ما يهجس، ثم يتناوله بالتصحيح و التنقيح!