دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١١ - التّقدمة
(١) الكريم طرفا من ذلك.
ففي أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ما ذا تَرى، قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات- ١٠٢] فهذه الرؤية الصادقة.
و قد يكون الاتصال بأن يكلم اللّه تعالى النبي مباشرة كما حصل لموسى- (عليه السلام)- فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ: أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص- ٣٠].
و الواسطة العادية في حصول الوحي أن يكون عن طريق جبريل- (عليه السلام): نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء- (١٦٣- ١٦٥)].
و أحيانا كان جبريل ينزل مجسدا يراه المسلمون كما حصل في حديث أركان الإيمان و الإسلام و الإحسان، و أشراط الساعة، الذي روي عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- و في ختامه: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».
و حين يدعي إنسان أنه يتصل باللّه و يحمل منه إلى الناس رسالة ترتّب عليهم تكاليف و واجبات، فإن من الطبيعي أن يطالبه الناس بالدليل على صدقه، و لم ير القرآن في هذا أمرا خارجا عن المعقول، فالتساؤل حتى للتعليم مطلوب وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى، وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة- ٢٦٠].
و من هنا ظهرت الحاجة إلى ما يثبت النبوة.