دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٦٥ - دلائل النبوة في سمو حياته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جهاده
(١)
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حين أنزل اللّه عز و جل: و أنذر عشيرتك الأقربين. قال: يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من اللّه شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من اللّه شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من اللّه شيئا، و يا صفية عمة رسول اللّه، لا أغني عنك من اللّه شيئا. و يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من اللّه شيئا».
تتحدث كتب السيرة عن سعي قريش إلى أبي طالب، لينهى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الاستمرار في الدعوة.
و لما التقى القرشيون به، قالوا: يا أبا طالب، ان ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، و عاب ديننا، و سفه أحلامنا، و ضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنا، و إما أن تخلي بيننا و بينه- فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه- فنكفيكه؟ قال لهم أبو طالب، قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.
و مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، على ما هو عليه: «يظهر دين اللّه، و يدعو اليه.
ثم شرى الأمر بينه و بينهم، حتى تباعد الرجال، و تضاغنوا، و أكثرت قريش ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بينها، فتذامروا فيه، و حضّ بعضهم بعضا عليه، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا و شرفا و منزلة فينا. و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، و إنا و اللّه، لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، و تسفيه أحلامنا، و عيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا، أو تنازله و إياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبي طالب فراق قومه و عداوتهم، و لم يطب نفسا بإسلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم و لا خذلانه.