دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٩ - سلمان الفارسي يبحث عن الحقيقة
(١) الدين؟ فقالوا: الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته، فقلت له: إني أحببت أن أكون معك في كنيستك، و أعبد اللّه فيها معك، و أتعلم منك الخير. قال: فكن معي. قال: فكنت معه، و كان رجل سوء كان يأمرهم بالصدقة، و يرغبهم فيها، فإذا جمعها إليه اكتنزها و لم يعطها المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب و ورق، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سوء، و كان يأمركم بالصدقة و يرغبكم فيها، حتى إذا جمعتموها إليه، اكتنزها و لم يعطها المساكين، فقالوا:
و ما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج لكم كنزها، فقالوا: فهاته، فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا و ورقا، فلما رأوا ذلك، قالوا: و اللّه لا يدفن أبدا ..
فصلبوه على خشبة و رموه بالحجارة، و جاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه فلا و اللّه- يا ابن عباس- ما رأيت رجلا قط لا يصلي الخمس. رأى أنه أفضل منه و أشد اجتهادا و لا زهادة في الدنيا، و لا أدأب ليلا و نهارا منه، ما أعلمني أحببت شيئا قط قبله حبه. فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان قد حضرك، ما ترى من أمر اللّه، و إني و اللّه ما أحببت شيئا قط حبك، فما ذا تأمرني؟ و إلى من توصيني؟ فقال لي: أي بني، و اللّه ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فأته، فإنك ستجده على مثل حالي، فلما مات و غيب، لحقت بالموصل فأتيت صاحبها فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد و الزهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك أن آتيك و أكون معك، قال: فأقم أي بني، فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك و قد حضر لك من أمر اللّه ما ترى، فإلى من توصيني؟ قال: و اللّه ما أعلمه أي بني، إلا رجلا بنصيبين، و هو على مثل ما نحن عليه، فألحق به، فلما دفناه لحقت بالآخر، فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بي إلى فلان و فلان أوصى بي إليك. قال: فأقم يا بني؟.
فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة. فقلت له: يا فلان،