دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٧٩ - دلائل النبوة في خصائص التصور الإسلامي
(١) و الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات اللّه- سبحانه- و في صفاته. و في علاقته بالخلق و علاقة الخلق به ..
ذلك الجهد الذي تمثله النصوص الكثيرة- كثرة ملحوظة- في القرآن المكي بصفة خاصة، و في القرآن كله على وجه العموم ..
الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل، في ذلك التيه الشامل، الذي كانت البشرية كلها تخبط فيه، و الذي ظلت تخبط فيه أيضا كلما انحرفت عن منهج اللّه أو صدت عنه، و اتبعت السبل، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم ..
الذي يراجع ذلك الجهد، دون أن يراجع ذلك الركام، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر في القرآن، و إلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير و كل مسالك الحياة.
و لكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد، كما تكشف عن عظمة الدور الذي جاءت هذه العقيدة لتؤديه في تحرير الضمير البشري و إعتاقه، و في تحرير الفكر البشري و إطلاقه، و في تحرير الحياة. و الحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادي كيفما كان.
عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر في إقامة الحياة على منهج سليم قويم، يستقيم به أمر الحياة البشرية، و تنجو به من الفساد و التخبط و من الظلم أو الاستذلال ... و ندرك قيمة قول عمر- رضي اللّه عنه- «ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام و لم يعرف الجاهلية» .. فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمة الإسلام، و يعرف كيف يحرص على رحمة اللّه المتمثلة فيه، و نعمة اللّه المتحققة به.
إن جمال هذه العقيدة و كمالها و تناسقها، و بساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها .. إن هذا كله لا يتجلى للقلب و العقل، كما يتجلى من مراجعة ركام