دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٨ - سلمان الفارسي يبحث عن الحقيقة
(١) ساعة. فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئا إلا ما أنا فيه. حتى بنى أبي بنيانا له، و كانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، و لا بد من اطلاعها، فانطلق إليها، فمرهم بكذا و كذا، و لا تحتبس عني، فإنك إن احتبست عني، شغلتني عن كل شيء، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم فيها، فقلت: ما هذا؟ فقالوا هؤلاء النصارى يصلون. فدخلت انظر، فأعجبني ما رأيت من حالهم، فو اللّه ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس، و بعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، و لم أذهب إلى ضيعته، فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك لا تحتبس عني، فقلت:
يا أبتاه! مررت بناس يقال لهم: النصارى، فأعجبني صلاتهم و دعاؤهم فجلست أنظر كيف يفعلون؟
فقال: أي بني، دينك و دين آبائك خير من دينهم.
فقلت: لا و اللّه، ما هو بخير من دينهم، هؤلاء قوم يعبدون اللّه، و يدعونه و يصلون له، و نحن إنما نعبد نارا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت فخافني، فجعل في رجليّ حديدا، و حبسني في بيت عنده، فبعثت إلى النصارى، فقلت لهم:
أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام. فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناس فأذنوني. فقالوا: نفعل. فقدم عليهم ناس من تجارهم، فبعثوا إليّ أنه قد قدم علينا تجار من تجارنا فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم و أرادوا فأذنوني الخروج فقالوا: نفعل. فلما قضوا حوائجهم و أرادوا الرحيل، بعثوا إليّ بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجليّ، و لحقت بهم.
فانطلقت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها سألت: من أفضل أهل هذا