دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٥٩ - سلمان الفارسي يبحث عن الحقيقة
(١) و يظل اعجاز القرآن مطروحا ما دامت السموات و الأرض تتعاقبه الأجيال كلما تقدمت العلوم فكشفت عن أسرار اللّه الكونية، و كلما حسب جيل أنه بلغ منه الغاية، امتدّ القرآن عاليا سامقا.
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [١].
و لو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين و لم تحتج الى التصديق بمعجزة غير القرآن لتؤمن لما طعن ذلك في إيمانها، و لا نقص في إسلامها، و قد حمل القرآن كثيرا من المهتدين إلى أن يهتدوا، قديما في بدء الدعوة، و حديثا في العصر الذي نعيش فيه على اختلاف مشاربهم، و تباين تخصصاتهم، فقد استطاعوا أن ينهلوا من فيضه، و يقبسوا من نوره، و يرى كل واحد منهم به سرا من أسراره.
يقول ابن خلدون في علامات الأنبياء:
و من علاماتهم أيضا، وقوع الخوارق لهم، شاهدة بصدقهم. و هي أفعال يعجز البشر عن مثلها، فسميت بذلك معجزة، و ليست من جنس مقدور العباد، و إنما تقع في غير محل قدرتهم.
و إذا تقرر ذلك، فاعلم أن أعظم المعجزات و أشرفها، و أوضحها دلالة:
القرآن الكريم، المنزل على نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإن الخوارق- في الغالب- تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي، و يأتي بالمعجزة شاهدة مصدقة.
و القرآن هو بنفسه الوحي المدعي، و هو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، و لا يفتقر الى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل و المدلول فيه.
[١] راجع اعجاز القرآن للرافعي، و الاعجاز البياني في القرآن للدكتورة عائشة عبد الرحمن.