دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٦٣ - سلمان الفارسي يبحث عن الحقيقة
(١) العالمية، لا تحتاج منا- نحن المسلمين- الى تعليل- ذلك أننا نؤمن بأنه كلام اللّه أنزله على رسوله، و لكننا نرى من الطريف أن نورد هنا رأيين لمستشرقيين ذاعت شهرتهما عن جدارة .. يقول «سفري»- و هو أول من ترجم القرآن الى الفرنسية: «كان محمد عليما بلغته، و هي لغة لا نجد على ظهر البسيطة ما يضارعها غنى و انسجاما- إنها بتركيب أفعالها، يمكنها أن تتابع الفكر في طيرانه البعيد، و تصفه في دقة دقيقة .. و هي بما فيها من نغم موسيقي تحاكي أصوات الحيوانات المختلفة، و خرير المياه المنسابة، و هزيم الرعد، و قصف الرياح.
كان محمد عليما- كما قلت- بتلك اللغة الأزلية التي تزينت بروائع كثير من الشعراء، فاجتهد محمد أن يحلي تعاليمه بكل ما في البلاغة من جمال و سحر ..
و لقد كان الشعراء في الجزيرة العربية يتمتعون من التقدير بأسمى مكانة ..
و لقد علق لبيد بن ربيعة، الشاعر المشهور، إحدى قصائده على باب الكعبة، و حالت شهرته و قدرته الشاعرية دون أن ينبري له المنافسون، و لم يتقدم احد لينازعه الجائزة ..
و ذات يوم علق بجانب قصيدته السورة الثانية من القرآن (و قيل السورة الخامسة و الخمسين) فأعجب بها لبيد أيما إعجاب، رغم أنه مشرك، و اعترف بمجرد قراءة الآيات الأولى بأنه قد هزم، و لم يلبث أن أسلم ..
و في ذات يوم سأله المعجبون به عن أشعاره، يريدون جمعها في ديوان، فأجاب:
«لم أعد أتذكر شيئا من شعري، إذ أن روعة الآيات المنزلة لم نترك لغيرها مكانا في ذاكرتي».