دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٦٩ - دلائل النبوة في خصائص التصور الإسلامي
(١) قسطنطين الملك و لكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية، و تقتلع جرثومتها.
و كان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، و نشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية و الوثنية سواء بسواء .. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى على منافسه (الوثنية) قضاء باتا، و نشر عقائده خالصة بغير غش.
«و إن هذا الامبراطور الذي كان عبدا للدنيا، و الذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئا، رأى لمصلحته الشخصية، و لمصلحة الحزبين المتنافسين- النصراني و الوثني- أن يوحدهما و يؤلف بينهما. حتى أن النصارى الراسخين أيضا لم ينكروا عليه هذه الخطة. و لعلهم كانوا يعتقدون ان الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت و نقحت بالعقائد الوثنية القديمة، و سيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية و أرجاسها».
يقول الباحث الاسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب في خصائص التصور الاسلامي:
و قد وقع الانقسام في عقيدة النصارى، فقالت فرقة: ان المسيح انسان محض، و قالت فرقة: ان الأب و الابن و روح القدس.
إن هي إلا صور مختلفة أعلن اللّه بها نفسه للناس. فاللّه- بزعمهم- مركب من أقانيم ثلاثة: الأب و الابن و روح القدس (و الابن هو المسيح) فانحدر اللّه، الذي هو الأب، في صورة روح القدس و تجسد في مريم إنسانا، و ولد منها في صورة يسوع. و فرقة قالت: ان الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، و لذلك هو دون الأب و خاضع له. و فرقة أنكرت كون روح القدس أقنوما .. و قرر مجمع نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية، و مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ ان الابن و روح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، و أن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، و أن روح القدس منبثق من الأب .. و قرر مجمع طليطلة سنة ٥٨٩ بأن روح القدس منبثق من الابن أيضا. فاختلفت الكنيسة