حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤١١ - فائدة أخرى
فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام، فرأى الرجل في حمامه البركة و در عليه الرزق، فجعل يعرض عليه الإسلام، و جعل يسترسل إليه، و علقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء و الأرض، و خبر الآخرة حتى آمنوا بما يقوله و صدقوه، و كانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، و كان يشترط على صاحب الحمام، أن الليل لا يحول بيني و بينه أحد، و لا بين الصلاة إذا حضرت، فكان على ذلك، حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحواري [١] ، و قال له:
أنت ابن الملك و تدخل معك هذه التي هي كذا و كذا. فاستحيا و ذهب، فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبه و انتهره و لم يلتفت إليه حتى دخل، و دخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا.
فأتى الملك، فقيل له: إن صاحب الحمام قد قتل ابنك فالتمس فلم يقدر عليه، و هرب كل من كان يصحبه، فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع، و هو على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم و معه الكلب حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوا و قالوا: نبيت هاهنا الليلة، ثم نصبح إن شاء اللّه فترون رأيكم. فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله فقال قائل: أ ليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتون عطشا و جوعا. ففعل فغبر بعد ما بنى عليهم باب الكهف، زمان بعد زمان.
ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف و أدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح، فأدخل فيه غنمه، و رد اللّه تعالى إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما، فلما أتى باب مدينتهم لم ير شيئا ينكره، حتى دخل على رجل فقال له: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: و من أين لك هذه الدراهم؟قال: خرجت أنا و أصحاب لي أمس فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني. فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان، فأنى لك بها؟فرفعه إلى الملك، و كان ملكا صالحا، فقال:
من أين لك هذه الدراهم؟قال: خرجت أنا و أصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا و كذا فلما أصبحوا أمروني أن أشتري لهم طعاما. قال: و أين أصحابك؟قال: في الكهف.
فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم، فلما رأوه و دنا منهم، ضرب اللّه على آذانه و آذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا أن يدخلوا إليهم. فبنوا عنده كنيسة و اتخذوها مسجدا يصلون فيه.
و عن قتادة عن عكرمة قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم اللّه الإسلام، فتعوذوا بدينهم و اغتالوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب اللّه على صماخهم فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم، و جاءت أمة مسلمة، و كان ملكهم مسلما، و اختلفوا في الروح و الجسد، فقال قائل: تبعث الروح و الجسد جميعا، و قال قائل: تبعث الروح لا غير، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا، فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المسوح و جلس على
[١] الحواري: أحد الحواريين، و هم أتباع عيسى عليه الصلاة و السلام.