حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٠٠ - فائدة أخرى
به، كما يسخرون من المجنون و الحيران، و جعل تمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء، و قال:
اللهم إله السماء و إله الأرض، أفرغ علي اليوم صبرا، و أولج معي روحا منك، تؤيدني به عند هذا الجبار، و جعل تمليخا يبكي و يقول في نفسه: فرق بيني و بين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت، و أين يذهب به فلو أنهم يعلمون فيأتوني، فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار، فإنا كنا توافقنا لنكونن معا لا نكفر باللّه و لا نشرك به شيئا، و لا نعبد الطواغيت من دون اللّه عز و جل، فرق بيني و بينهم فلم أرهم و لم يروني، و قد كنا توافقنا أن لا نفترق في حياة و لا موت أبدا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي أ قاتلي أم لا؟ هذا ما حدث به تمليخا أصحابه عن نفسه حين رجع إليهم، ثم انتهي به إلى الرجلين الصالحين أرموس و اصطفوس، فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق و سكن عنه البكاء، فأخذ أرموس و اصطفوس الورق فنظرا إليها و عجبا منها، ثم قال له أحدهما: أين الكنز الذي وجدته يا فتى؟فهذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا!فقال له تمليخا: ما وجدت كنزا، و لكن هذا الورق ورق آبائي، و نقش هذه المدينة و ضربها. و لكني و اللّه ما أدري ما شأني و ما أدري ما أقول لكم!فقال أحدهما: من أنت؟فقال له تمليخا: أما ما أرى، فإني كنت أرى أني من أهل هذه المدينة. فقالوا له: من أبوك و من يعرفك بها؟فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدا يعرفه و لا أباه. فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحق، فلم يدر تمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس رأسه إلى الأرض، فقال بعض من حوله: هذا الرجل مجنون، و قال بعضهم: ليس بمجنون و لكنه يحمق نفسه عمدا، لكي يفلت منكم. فقال له أحدهما و نظر إليه نظرا شديدا:
أ تظن أنا نرسلك و نصدقك هذا مال أبيك، و نقش هذا الورق و ضربها، أكثر من ثلاثمائة سنة؟ و أنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا و تسخر بنا، و نحن شمط كما ترى، و حولك سراة [١] أهل المدينة، و ولاة أمرها و خزائن هذه البلدة بأيدينا، و ليس عندنا من هذا الضرب درهم و لا دينار.
و إني لأظنني سآمر بك فتضرب و تعذب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تقر بهذا الكنز الذي وجدت.
فلما قال له ذلك، قال له تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم ما عندي؟قالوا: سل لا نكتمك شيئا. قال: فما فعل الملك دقيانوس؟فقالوا له: ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس، و لم يكن إلا ملكا قد هلك منذ زمان و دهر طويل، و قد هلكت بعده قرون كثيرة.
فقال لهم تمليخا: فو اللّه ما يصدقني أحد من الناس بما أقول: لقد كنا فتية الملك، و أنه أكرهنا على عبادة الأوثان و الذبح للطواغيت، فهربنا منه عشية أمس، فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما و أتجسس لهم الأخبار، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل منحلوس، أريكم أصحابي، فلما سمع أرموس و اصطفوس ما يقول تمليخا، قالا:
يا قوم لعل هذه آية من آيات اللّه عز و جل، جعلها اللّه لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه
[١] سراة أهل المدينة: سادتها.