حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٤٣ - القطا
إلى قطا فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا # و مثل نصفه معه
إلى قطاة أهلنا # إذا لنا قطا مائه
قال: و قوله و احكم كحكم فتاة الحي، أي أصب في أمرك كإصابة فتاة الحي، فهو من الحكم الذي يراد به الحكمة لا من الحكم الذي يراد به القضاء، قال اللّه تعالى: وَ لَمََّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنََاهُ حُكْماً وَ عِلْماً [١] أي حكمة. قال: و كان الأصمعي يروي شراع بالشين المعجمة، يريد الذي شرع في الماء. و روى غيره سراع بالسين المهملة، و الثمد الماء القليل انتهى. و كانت عدة الحمام الذي رأته ستا و ستين فتمنت، أن يكون لها هذا الحمام، و مثل نصفه و هو ثلاثة و ثلاثون، و مجموع ذلك تسع و تسعون، فإذا ضم إلى حمامتها كان مائة. و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك، في باب الحاء المهملة في الحمام. و يقال للقطاة: أم ثلاث، لأنها أكثر ما تبيض ثلاث بيضات قال الشاعر:
و أمّ ثلاث إن شببن عققنها # و إن متن كان الصبر منها على نصب
يقول: إن شبّت فراخها فارقتها، فكان ذلك عقوقا لها، و إن متن لم تصبر إلا و هي حزينة قلقة.
و النصب: التعب و البلاء، و يقال للقطا و الحمام و أنواعها أمهات الجوازل، و الجوازل فراخها الواحد جوزل قال [٢] ذو الرمة:
سوى ما أصاب الذئب منه و سربه # أطافت به من أمهات الجوازل
و قد تقدم قريب من هذا في باب الجيم. و سميت القطا بحكاية صوتها فإنها تقول ذلك، و لذلك تصفها العرب بالصدق، قال [٣] الكميت في وصفها:
لا تكذب القول إن قالت القطا صدقت # إذ كلّ ذي نسبة لا بدّ ينتحل
و أنشد أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، قول [٤] الشاعر. قال المبرد: و أظنه توبة بن الحمير:
كأنّ القلب حين يقال يغدى # بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت # تجاذبه و قد علق الجناح
فلا في الليل نالت ما ترجى # و لا في الصبح كان لها براح
ثم قال: و قوله: غرها قد تصحف عليه، فقال: غرها من الغرور، و ليس كذلك، إنما هو عزها أي غلبها، كما قالت العرب «من عز بز و من غلب سلب» [٥] . و غلق الجناح بالغين المعجمة من قولهم: لا يغلق الرهن على راهنه و قد تصحف بالعين المهملة انتهى.
[١] سورة يوسف: آية ٢٢.
[٢] ديوانه (المكتب الإسلامي) ٥٨٢.
[٣] الحيوان للجاحظ: ٥/٥٧٨.
[٤] الحيوان للجاحظ: ٥/٥٧٧، و نسبه إلى مجنون ليلى.
[٥] جمهرة الأمثال: ٢/٢٢٩.