حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٦٤ - فائدة
الحروف، الطامة في الطاء، امحها. و قيل: إنه وجدت ورقة في مجلس أبي عبيدة فيها هذا البيت و بعده [١] :
فأنت عندي بلا شكّ بقيتهم # منذ احتلمت و قد جاوزت تسعينا
و روي أن أبا عبيدة خرج إلى بلاد فارس قاصدا موسى بن عبد الرحمن الهلالي، فلما قدم عليه، قال لغلمانه: احترزوا من أبي عبيدة فإن كلامه كله دق، ثم حضر الطعام فصب بعض الغلمان على ذيله مرقا، فقال له موسى: قد أصاب ثوبك مرق، و أنا أعطيك عوضه عشرة أثواب، فقال أبو عبيدة: لا عليك فإن مرقكم لا يؤذي، أي ما فيه دهن، ففطن لها موسى و سكت.
توفي أبو عبيدة في سنة تسع و مائتين، و هذا أبو عبيدة بالهاء و القاسم بن سلام أبو عبيد بغير هاء، و كلاهما من أهل اللغة. و معمر بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة و آخره راء مهملة.
و كان والد أبي عبيدة من قرية من أعمال الرقة، يقال لها باجروان، و هي القرية التي استطعم أهلها موسى و الخضر عليهما السلام، كذا قاله ابن خلكان و غيره، و تقدم في باب الحاء المهملة، في الحوت عن السهيلي أن القرية المذكورة في القرآن برقة، و اللّه تعالى أعلم.
و روى الطبراني، في الدعوات و البزار برجال ثقات، من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال [٢] : «إذا تغولت لكم الغيلان، فنادوا بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع النداء، أدبر و له جصاص» . أي ضراط. قال النووي، في الاذكار: إنه حديث صحيح، أرشد صلى اللّه عليه و سلم إلى دفع ضررها بذكر اللّه تعالى. و رواه النسائي، في آخر سننه الكبرى، من حديث الحسن عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه، بلفظ أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان» .
قال النووي رحمه اللّه تعالى: و لذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة، إذا عرض للإنسان شيطان، لما روى مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، و معي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك ترى هذا ما أرسلتك، و لكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر» .
و روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه، أنه قال إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا عدوى و لا طيرة و لا غول» [٣] . قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، و هي جنس من الشياطين، تتراءى للناس و تتغول تغولا أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق و تهلكهم، فأبطل النبي صلى اللّه عليه و سلم ذلك، و قال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، و إنما معناه إبطال ما تزعمه العرب، من تلون الغول بالصور المختلفة و اغتيالها، قالوا: و معنى لا غول، أي لا تستطيع
[١] وفيات الأعيان: ٥/٢٤٢.
[٢] رواه ابن حنبل ٣-٣٠٥-٣٨٢.
[٣] رواه مسلم: سلام ١٠٧، و ابن حنبل ٣-٣٩٣.