حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٠٧ - فائدة أخرى
و وقوعهما في الآخرة. و اختلف العلماء من السلف و الخلف في أنه هل رأى نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم ربه تعالى أم لا؟فأنكرته عائشة و أبو هريرة و ابن مسعود و جماعة من السلف، و به قال جماعة من المتكلمين و المحدثين، و أجازه جماعة من السلف و أنه صلى اللّه عليه و سلم رأى ربه ليلة الإسراء بعيني رأسه، و هو قول ابن عباس و أبي ذر و كعب الأحبار و الحسن البصري و الشافعي و أحمد بن حنبل. و حكي أيضا عن ابن مسعود، و أبي هريرة، و المشهور عنهما الأول، و بهذا القول الثاني قال أبو الحسن و جماعة من أصحابه، و هو الأصح، و هو مذهب المحققين من السادة الصوفية.
قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: اختص موسى بالكلام، و ابراهيم بالخلة و محمد صلى اللّه عليه و سلم بالرؤية. و ذهب جماعة من العلماء إلى الوقف، و قالوا: ليس عليه دليل قاطع نفيا و لا إثباتا، و لكنه جائز عقلا. و صححه القرطبي و غيره.
قلت: رؤية اللّه تعالى في الدنيا و الآخرة جائزة بالأدلة العقلية و النقلية، أما العقلية فمعروفة في علم الكلام، و أما النقلية فمنها سؤال موسى عليه السلام رؤية اللّه تعالى. و وجه التمسك بذلك علم موسى بذلك، و لو علم استحالة ذلك لما سأله، و محال أن يجهل موسى جواز ذلك، إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة و انتهائه إلى أن اصطفاه اللّه تعالى على الناس، و أسمعه كلامه بلا واسطة جاهلا بما يجب للّه و يستحيل عليه و يجوز، و ملتزم هذا كافر. نعوذ باللّه من اعتقاد ذلك.
و منها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه في الدار الآخرة بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ، `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ [١] و إذا جاز أن يروه في الدار الآخرة، جاز أن يروه في الدنيا لتساوي النظر بالنسبة إلى الأحكام. و منها ما تواترت به الأحاديث من أخباره صلى اللّه عليه و سلم برؤية اللّه تعالى في الدار الآخرة، و وقوع ذلك كرامة للمؤمنين. فهذه الأدلة دالة على جواز رؤيته تعالى في الدنيا و الآخرة.
و أما استدلال عائشة رضي اللّه تعالى عنها على عدم الرؤية بقوله تعالى: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ [٢] ففيه بعد إذا يقال بين الإدراك و الابصار فرق، فيكون معنى لا تدركه الأبصار، أي لا تحيط به مع أنها تبصره. قاله سعيد بن المسيب و غيره و قد نفى الإدراك مع وجود الرؤية، في قوله تعالى: فَلَمََّا تَرََاءَا اَلْجَمْعََانِ قََالَ أَصْحََابُ مُوسىََ إِنََّا لَمُدْرَكُونَ، `قََالَ كَلاََّ [٣] أي لا يدركونكم. و أيضا فإن الإبصار عموم، و هو قابل للتخصيص فيختص المنع بالكافرين، كما قال تعالى عنهم: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٤] و يكرم المؤمنين أو من شاء اللّه منهم بالرؤية كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ، `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ [٥] و بالجملة فالآية ليست نصا و لا من الظواهر الجلية في عدم جواز الرؤية، فلا حجة فيها و اللّه أعلم. و لهذه المسألة أسرار و أغوار تركناها، لأن ذلك ليس من مقصود الكتاب، فمن أراد تحقيق هذه المسألة و غيرها من المسائل المهمة فعليه بكتابنا الجوهر الفريد، فإنا ذكرنا فيه اختلاف الفرق، و أقوال علماء الظاهر و الباطن، و ما اخترناه و ما أيدناه و هو كتاب مهم عمدة في هذا الشأن، لا يستغني عنه
[١] سورة القيامة: آية ٢٢، ٢٣.
[٢] سورة الأنعام: آية ١٠٣.
[٣] سورة الشعراء: آية ٦١، ٦٢.
[٤] سورة المطففين: آية ١٥.
[٥] سورة القيامة: آية ٢٢، ٢٣.