حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٦٣ - فائدة
فقال: قد أساء قائل هذا أ يعلم الغيب إذا لم يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟هلا قال:
إذا أرسلت في أمر رسولا # فأفهمه و أرسله أديبا
و لا تترك وصيته بشيء # و إن هو كان ذا عقل أريبا
فإن ضيعت ذاك فلا تلمه # على أن لم يكن علم الغيوبا
و في تاريخ ابن خلكان و غيره من التواريخ، أن الزمخشري [١] كان مقطوع الرجل، فسئل عن ذلك. فقال: دعاء الوالدة، و ذلك أني كنت في صباي أمسكت عصفورا و ربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي و أدركته و قد دخل في خرق من الجدار، فجذبته فانقطعت رجله بالخيط، فتألمت والدتي لذلك، و قالت: قطع اللّه رجل الأبعد كما قطعت رجله!فلما وصلت إلى سن الطلب، رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي، و عملت عملا أوجب قطعها.
و في الحلية للحافظ أبي نعيم، في ترجمة زين العابدين، قال أبو حمزة اليماني: كنت عند علي بن الحسين، فإذا عصافير يطرن حوله و يصرخن، فقال: يا أبا حمزة هل تدري ما تقول هذه العصافير؟قلت: لا. قال: إنها تقدس ربها جل و علا، و تسأله قوت يومها.
و في الصحيحين و سنن النسائي و جامع الترمذي، من حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عن أبي بن كعب و أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «قام موسى خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم فقال: أنا أعلم، فعتب اللّه تعالى عليه إذا لم يرد العلم إليه، فأوحى اللّه إلى موسى، أن عبدا من عبادي، بمجمع البحرين هو أعلم منك» [٢] .
و في الرواية الأخرى أنه قيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟قال موسى: لا فأوحى اللّه تعالى إلى موسى، بل عبدنا خضر. فقال: يا رب و كيف به؟فقال له: احمل حوتا في مكتلك، فإذا فقدته فهو، ثم انطلق، و انطلق معه فتاه يوشع بن نون، و حملا حوتا في مكتل، حتى إذا كانا عند الصخرة، وضعا رءوسهما، فناما و انسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سربا، و كان لموسى و لفتاه عجبا، فانطلقا بقية ليلتهما و يومهما حتى أصبحا، فقال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. و لم يجد موسى شيئا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال له فتاه: أ رأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا، فلما انتهيا إلى الصخرة، إذا رجل مسجى بثوب أو قال: تسجى بثوبه فسلم موسى.
و في الرواية الأخرى و كان يتبع أثر الحوت في البحر، فقال الخضر: و أني بأرضك السلام فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟قال: نعم. ثم قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما
[١] الزمخشري هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، إمام في التفسير و الحديث و النحو و اللغة و علم البيان، صاحب التصانيف، ترجمته في وفيات الأعيان ٥/١٦٨ وفاته سنة ٥٣٨ هـ.
[٢] رواه البخاري: علم ٤٤، أنبياء ٢٧، تفسير سورة ١٨-٢-٤.