حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٨٤ - فائدة
موسى صلى اللّه عليه و سلم، لما أحكم التوراة و علم ما فيها، قال في نفسه: لم يبق في الأرض أحد أعلم مني، من غير أن يتكلم مع أحد، فرأى في منامه كأن اللّه تعالى أرسل السماء بالماء، حتى غرق ما بين المشرق و المغرب، فرأى قناة على البحر، فيها صردة، فكانت الصردة تجيء للماء الذي غرق الأرض، فتنقل الماء بمنقارها، ثم تدفعه في البحر، فلما استيقظ الكليم هاله ذلك، فجاءه جبريل، فقال:
ما لي أراك يا موسى كئيبا!فأخبره بالرؤيا، فقال: إنك زعمت أنك استغرقت العلم كله، فلم يبق في الأرض من هو أعلم منك، و إن للّه تعالى عبدا علمك في علمه، كالماء الذي حملته الصردة بمنقارها، فدفعته في البحر. فقال: يا جبريل من هذا العبد؟قال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب، يعني إبراهيم الخليل صلى اللّه عليه و سلم، فقال: من أين أطلبه؟قال: اطلبه من وراء هذا البحر. فقال:
من يدلني عليه؟قال. بعض زادك. قالوا: فمن حرصه على لقياه لم يستخلف على قومه، و مضى لوجهه، و قال لفتاه يوشع بن نون: هل أنت موازري؟قال: نعم. قال: اذهب فاحمل لنا زادا، فانطلق يوشع، فاحتمل أرغفة و سمكة مالحة عتيقة، ثم سارا في البحر، حتى خاضا و حلا و طينا، و لقيا تعبا و نصبا، حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر، خلف بحر أرمينية، يقال لتلك الصخرة قلعة الحرس، فأتياها فانطلق موسى ليتوضأ، فاقتحم مكانا، فوجد عينا من عيون الجنة، في البحر، فتوضأ منها و انصرف، و لحيته تقطر ماء.
و كان عليه الصلاة و السلام حسن اللحية، و لم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته، فوقعت قطرة منها على تلك السمكة المالحة، و ماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة و وثبت في البحر، فسارت و صار مجراها في البحر سربا يبسا، و نسي يوشع ذكر السمكة، فلما جاوزا، قال موسى لفتاه آتِنََا غَدََاءَنََا [١] الآية فذكر له أمر السمكة، فقال له:
ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما، فأوحى اللّه تعالى إلى الماء فجمد، و صار سربا على قامة موسى و فتاه، فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر و سار، فسار مسيره لهما جادة، فسلكاها فناداهما مناد من السماء، أن دعا الجادة فإنها طريق الشياطين إلى عرش ابليس، و خذا ذات اليمين، فأخذا ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة، و عندها مصلى، فقال موسى عليه السلام: ما أحسن هذا المكان!ينبغي أن يكون للعبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر عليه السلام، حتى انتهى إلى ذلك المكان و البقعة، فلما قام عليها اهتزت خضراء، قالوا: و إنما سمي الخضر، لأنه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء. فقال موسى عليه الصلاة و السلام:
السلام عليك يا خضر. فقال: و عليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل. فقال: و من أدراك من أنا؟قال: أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان، و ما قصه القرآن العظيم انتهى.
و قد تقدم ذكرهما أيضا في باب الحاء المهملة في الحوت، و نقلنا الخلاف في اسم الخضر و نسبه و نبوته، قال القرطبي: و يقال له الصرد الصوام.
روينا في معجم عبد الغني بن قانع، عن أبي غليظ أمية بن خلف الجمحي، قال: رآني
[١] سورة الكهف: آية ٦٠.