حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٧٥ - الشق
و سقط منه أربع عشرة شرافة، فجزع كسرى أنوشروان من ذلك و تطير، و رأى أن لا يكتمه عن زعماء مملكته، فأحضر موبذ موبذان، و هو رئيس حكمائهم، و عنه يأخذون نواميس شرائعهم، و أحضر الموابذة، و هم القضاة، و الهرابذة و هم كالخلفاء للموابذة، و الأصبهبذ، و هو حافظ الجيوش و أمير الأمراء، و أحضر بزر جمهر مداره، و هو الوزير الأعلى، و المرازبة و هم حفظة الثغور و ولاة المملكة، و أخبرهم بما كان من ارتجاس الإيوان و سقوط ما سقط من شرفاته.
فقال رئيس الموابذة: إني رأيت في المنام، كأن إبلا تقود خيلا قد قطعت دجلة، و انتشرت في بلاد فارس. و أخبره في ذلك الوقت قومه بالنار و خمودها تلك الليلة. فهاله و من حضر مجلسه، ذلك و استعظموه و لم يظهر لهم وجهه، ففزعوا و تفرقوا عن الملك يتروّون فيه.
و وافت البرد إلى كسرى، من جميع جهات ممالكه، تخبر بخمود النيران تلك الليلة، و وافاه الخبر بأن بحيرة ساوة قد غاض ماؤها فجمع زعماء دينه و رؤساء سلطانه، فأطلعهم على ما انتهى إليه من ذلك كله، و سألهم عما عندهم فيه؟فقال موبذ موبذان: أما رؤياي، فتدل على حدث عظيم يكون من العرب. فكتب كسرى إلى النعمان بن المنذر، يأمره أن يبعث إليه أعلم من في أرضه من العرب، فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو الغساني [١] و كان معمّرا، فلما قدم على كسرى، قال له: هل عندك علم مما أريد أن أسألك عنه؟قال: يخبرني الملك عما يريد علمه، فإن كان عندي علم منه أخبرته!فقال أنوشروان: إنما أريد من يعلم أمري قبل أن أذكره له!فقال عبد المسيح: هذا علم يعلمه خال لي يسكن بمشارق الشام يقال له سطيح. قال كسرى: فاذهب إليه فانطلق عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح فوجده قد أشفى على الموت فحياه فلم يجبه فقال [٢]
عبد المسيح رافعا صوته:
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن # يا صاحب الخطة أعيت من و من
ففتح سطيح عينيه، و قال: عبد المسيح على جمل مشيح، وافى إلى سطيح، و قد أشفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان، و خمود النيران، و رؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة و انتشرت في بلاد فارس. يا عبد المسيح، إذا ظهرت التلاوة و بعث صاحب الهراوة، و غاضت بحيرة ساوة، لم تكن بابل للفرس مقاما، و لا الشام لسطيح شاما، و سيملك منهم ملوك و ملكات على عدد الشرافات، و كل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه. فاستوى عبد المسيح على راحلته، و عاد إلى كسرى فأخبره بمقالة سطيح. فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشرة، تكون أمور. فملك منهم عشرة في مدة أربع سنين، و ملك الباقون إلى أواخر خلافة عثمان رضي اللّه تعالى عنه. انتهى.
و بابل هي بابل العراق، و سميت ببابل لتبلبل الألسن بها، عند سقوط صرح نمرود، أي تفرقها. قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: بابل أرض الكوفة، و قيل: جبل دنباوند. و كسرى أول ميت اقتص من قاتله، كما قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الأذكياء، و ذلك أن كسرى قال له منجموه: إنك تقتل. فقال: و اللّه لأقتلن قاتلي. فعمد إلى سم ناقع، فوضعه في
[١] هو عبد المسيح بن عسلة الشيباني، شاعر جاهلي.
[٢] البيت في العقد الفريد ٢/٢٩.