حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٧٢ - الشعراء
قلة الرماة، و اشتغال الناس بالغنيمة، و رأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من خلفهم فهزمهم، و «رمى عبد اللّه بن قمئة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بحجر فكسر رباعيته، و هشم أنفه و شجه في وجهه، فأثخنه و تفرق عنه أصحابه، و نهض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى صخرة ليعلوها و كان صلى اللّه عليه و سلم قد ظاهر بين درعين، فلم يستطع النهوض، فجلس تحته طلحة رضي اللّه تعالى عنه، فنهض صلى اللّه عليه و سلم حتى استوى عليها» [١] . و وقفت هند و النسوة معها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان و الأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، و أعطتها وحشيا، و بقرت عن كبد حمزة رضي اللّه تعالى عنه فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها و أقبل عبد اللّه بن قمئة، يريد قتل النبي صلى اللّه عليه و سلم، فذب عنه مصعب بن عمير رضي اللّه تعالى عنه، صاحب راية رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقتله ابن قمئة، و هو يرى أنه قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فرجع و قال: إني قتلت محمدا!و صاح صائح: ألا إن محمدا قد قتل، و يقال: إن ذلك الصائح كان إبليس، فانكفأ الناس و جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يدعو الناس إلى عبادة اللّه تعالى، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، و أصيبت يد طلحة رضي اللّه تعالى عنه، فيبست حين وقى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أصيبت عين قتادة رضي اللّه تعالى عنه يومئذ، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكانها فكانت أحسن ما كانت.
فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أدركه أبي بن خلف الجمحي، و هو يقول: لا نجوت إن نجا محمد! فقال القوم: يا رسول اللّه أ لا يعطف عليه رجل منا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «دعوه» حتى إذا دنا منه، و كان أبي قبل ذلك يلقى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم، فرق ذرة أقتلك عليها، فيقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «بل أنا أقتلك إن شاء اللّه تعالى» . فلما دنا منه يوم أحد، و هو راكب فرسه، تناول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الحربة من الحارث بن الصمة، و انتفض بها انتفاضة، فتطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، و طعنه في عنقه طعنة خدشته خدشة غير كبيرة، فتدهده بها عن فرسه، و هو يخور كما يخور الثور، و يقول: قتلني محمد، فحمله أصحابه، و أتوا به قريشا و قد حقد الدم و احتقن، فقالوا: لا بأس عليك، فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة و مضر لقتلهم أ ليس قال: أنا أقتلك؟فو اللّه لو بصق عليّ بعد تلك المقالة قتلني، لم يلبث إلا يوما واحدا. و مات عدو اللّه بموضع يقال له سرف. و قال فيه حسان بن ثابت الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه [٢] :
لقد ورث الضّلالة عن أبيه # أبى حين بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظم # و توعده و أنت به جهول
و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «أشد الناس عذابا من قتل نبيا أو قتله نبي» [٣] ، لأنه من المعلوم أن النبي لا يقتل أحدا و لا يتفق ذلك إلا في شر الخلق.
[١] رواه البخاري: جهاد ٨٠، ٨٥. و مسلم: جهاد ١٠١، ١٠٣، ١٠٦، و الترمذي تفسير سورة ٣-١٠ و ابن ماجة: طب ١٥، فتن ٢٣. و ابن حنبل: ١-٣١-٩٩-٢٨٨.
[٢] ديوان حسّان ٣٩٦.
[٣] رواه ابن حنبل ١-٤٠٧.