حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥٤٦ - الوزغة
ثم روى الحاكم عن عمرو بن مرة الجهني رضي اللّه تعالى عنه، و كانت له صحبة، قال: إن الحكم بن أبي العاص استأذن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فعرف صوته فقال صلى اللّه عليه و سلم: «ائذنوا له لعنة اللّه عليه و على من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم، و قليل ما هم يشرفون في الدنيا، و يضيعون في الآخرة ذوو مكر و خديعة يعطون في الدنيا و ما لهم في الآخرة من خلاق» قال ابن ظفر. و كان الحكم بن أبي العاص يرمى بالداء العضال و كذلك أبو جهل.
و أما تسمية الوزغ فويسقا، فنظيره الفواسق الخمس التي تقتل في الحل و الحرم، و أصل الفسق الخروج، و هذه المذكورات خرجت عمن خلق معظم الحشرات و نحوها بزيادة الضرر و الأذى.
و أما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة، و في الثانية بسبعين، كما في بعض الروايات، فجوابه أنه كقوله في صلاة الجماعة بسبع و عشرين و بخمس و عشرين، و أن مفهوم العدد لا يعمل به فذكر السبعين لا يمنع المائة فلا تعارض بينهما. أو لعله صلى اللّه عليه و سلم أخبر أولا بالسبعين، ثم تصدق اللّه تعالى بالزيادة علينا، فأعلم به صلى اللّه عليه و سلم حين أوحى اللّه إليه بعد ذلك، أو أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ، بحسب نياتهم و إخلاصهم، و كمال أحوالهم و نقصها، فتكون المائة للأكمل منهم و السبعون لغيره.
قال يحيى بن يعمر: لأن أقتل مائة وزغة أحب إليّ من اعتق مائة رقبة، و إنما قال ذلك لأنها دابة سوء، زعموا أنها تسقى من الحيات و تمج في الإناء فينال الإنسان المكروه العظيم بسبب ذلك، و سبب كثرة الحسنات في المبادرة أن تكرر ضربات في القتل، يدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع، إذ لو قوي عزمه و اشتدت حميته، لقتلها في المرة الأولى لأنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة مئونة في الضرب، فحيث لم يقتلها في المرة الأولى دل ذلك على ضعف عزمه، فلذلك نقص أجره من المائة إلى السبعين. و علل عز الدين بن السلام [١] كثرة الحسنات في الأولى بأنه إحسان في القتل فيدخل تحت قوله [٢] صلى اللّه عليه و سلم «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» . أو أنه مبادرة إلى الخير فيدخل تحت [٣] قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ* قال: و على كلا المعنيين فالحية و العقرب أولى بذلك لعظم مفسدتهما.
و ذكر أصحاب الآثار أن الوزغ أصمّ قالوا: و السبب في صممه ما تقدم من نفخه النار على إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فصم لأجل ذلك و برص. و من طبعه أنه لا يدخل بيتا فيه رائحة الزعفران، و تألفه الحيات كما تألف العقارب الخنافس، و هو يلقح بفيه و يبيض كما تبيض الحيات، و يقيم في جحره زمن الشتاء، أربعة أشهر لا يطعم شيئا.
و قد تقدم في حرف السين المهملة ما يتعلق بأحكامها و خواصها و قد أحسن في وصف الوزغة و غيرها الأديب الشاعر كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى، صاحب
[١] ابن عبد السلام: عبد العزيز، فقيه شافعي ولد في دمشق زار بغداد استقر في القاهرة. مات سنة ٦٦٠ هـ.
[٢] رواه أبو داود: أضاحي ١٢. و النسائي: ضحايا ٢٢.
[٣] سورة المائدة: آية ٤٨.