حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥٢٧ - تتمة
ثم شفوا بالحديد أنفسهم # منك و لم يرعووا على أحد
فلم تزل للحمام مرتصدا # حتى سقيت الحمام بالرصد
و منها:
لم يرحموا صوتك الضعيف كما # لم ترث منها لصوتها الغرد
أذاقك الموت ربّهن كما # أذقت أفراخه يدا بيد
كأنّ حبلا حوى بجودته # جيدك للخلق كان من مسد
كأن عيني تراك مضطربا # فيه و في فيك رغوة الزبد
و قد طلبت الخلاص منه فلم # تقدر على حيلة و لم تجد
فما سمعنا بمثل موتك إذ # متّ و لا مثل عيشك النكد
فجدت بالنفس و البخيل بها # أنت و من لم يجد بها يجد
عشت حريصا يقوده طمع # و مت ذا قاتل بلا قود
يا من لذيذ الفراخ أوقعه # ويحك هلاّ قنعت بالغدد
أ لم تخف وثبة الزمان كما # و ثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام و إن # تأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ و لا # يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس و ما # أعزّه في الدنو و البعد
لا بارك اللّه في الطعام إذا # كان هلاك النفوس في المعد
كم دخلت لقمة حشا شره # فأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسوّرك الـ # برج و لو كان جنة الخد
و منها:
قد كنت في نعمة و في دعة # من العزيز المهيمن الصّمد
تأكل من فأر بيتنا رغدا # و أين بالشاكرين للرغد
و كنت بددت شملهم زمنا # فاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبد # في جوف أبياتها و لا لبد [١]
و فرغوا قعرها و ما تركوا # ما علقته يد على وتد
و فتتوا الخبز في السلال و كم # تفتتت للعيال من كبد
و مزقوا من ثيابنا جددا # فكلنا في المصائب الجدد
و كان ابن العلاف ينادم المعتضد باللّه، فبات ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فجاء خادم ليلا فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة فقلت [٢] :
[١] يقال: «ما له سبد و لا لبد» بمعنى لا قليل و لا كثير.
[٢] وفيات الأعيان: ٢/١٠٨.