حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٩٩ - فائدة
بغير البريء.
و قال القرطبي: هذا النبي هو موسى بن عمران عليه السلام، و أنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم و فيهم الطائع، فكأنه جل و علا أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، و عندها قرية النمل فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته نملة. فدلكهن بقدمه فأهلكهن، و أحرق مسكنهن. فأراه اللّه تعالى الآية في ذلك عبرة لما لدغته نملة كيف أصيب الباقون بعقوبتها، يريد اللّه تعالى أن ينبهه على أن العقوبة من اللّه تعم الطائع و العاصي فتصير رحمة و طهارة و بركة على المطيع، و سوءا و نقمة و عذابا على العاصي. و على هذا ليس في الحديث ما يدل على كراهة و لا حظر في قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، و لا أحد من خلق اللّه أعظم حرمة من المؤمن، و قد أبيح لك دفعه عنك بضرب أو قتل على ماله من المقدار، فكيف بالهوام و الدواب التي قد سخرت للمؤمن، و سلط عليها و سلطت عليه، فإذا آذته أبيح له قتلها.
و قوله: «فهلا نملة واحدة» دليل على أن الذي يؤذي يقتل، و كل قتل كان لنفع أو دفع ضر فلا بأس به عند العلماء، و لم يخص تلك النملة التي لدغته من غيرها، لأنه ليس المراد القصاص، لأنه لو أراده لقال فهلا نملتك التي لدغتك، و لكن قال: فهلا نملة، فكأن نملة تعم البريء و الجاني، و ذلك ليعلم أنه أراد تنبيهه لمسألة ربه تعالى في عذاب أهل قرية فيهم المطيع و العاصي.
و قد قيل: إن في شرع هذا النبي عليه السلام كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة، فلذلك إنما عاتبه اللّه تعالى في إحراق الكثير لا في أصل الإحراق. أ لا ترى قوله: فهلا نملة واحدة، و هو بخلاف شرعنا فإن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن تعذيب الحيوان بالنار. و قال [١] : «لا يعذب بالنار إلا اللّه تعالى» . فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق فلوارثه الاقتصاص بالإحراق للجاني.
و أما قتل النمل، فمذهبنا لا يجوز لحديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة و النخلة و الهدهد و الصرد» . رواه أبو داود [٢] بإسناد صحيح، على شرط الشيخين. و المراد النمل الكبير، السليماني كما قاله الخطابي و البغوي في شرح السنة. و أما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، و كره مالك رحمه اللّه قتل النمل، إلا أن يضر و لا يقدر على دفعه إلا بالقتل، و أطلق ابن أبي زيد جواز قتل النمل إذا آذت. و قيل: إنما عاتب اللّه هذا النبي عليه السلام لانتقامه بنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منهم، و كان الأولى به الصبر و الصفح، لكن وقع للنبي عليه السلام، أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، و حرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان. فلو انفرد له هذا النظر، و لم ينضم إليه التشفي الطبيعي، لم يعاتب فعوتب على التشفي بذلك و اللّه أعلم.
[١] رواه البخاري: جهاد ١٤٩. و الترمذي سير ٢٠.
[٢] رواه أبو داود: أدب ١٦٤. و ابن ماجة صيد ١٠.