حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٢٧ - اللبوءة
في قلبه هيبة، فلما أصبحوا نزلوا إليه، فسأله الراهب عن شرائع دينه و سنن نبيه صلى اللّه عليه و سلم فقرر له سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب و حسن إسلامه.
و أقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه و يقبلون يديه و رجليه، و يأخذون التراب الذي وطئه بالليل يصلون عليه، و يقولون: يا سعيد حلفنا الحجاج بالطلاق و العتاق، إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه، فمرنا بما شئت. فقال سعيد: امضوا لشأنكم فإني لائذ بخالقي و لا راد لقضاء ربي.
فساروا حتى وصلوا إلى واسط، فلما انتهوا إليها، قال لهم سعيد رضي اللّه تعالى عنه: يا معشر القوم، قد تحرمت بكم و صحبتكم، و لست أشك أن أجلي قد قرب و حضر، و أن المدة قد انقضت و دنت، فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت، و أستعد لمنكر و نكير، و أذكر عذاب القبر، و ما يحثى على من التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني و بينكم المكان الذي تريدون، فقال بعضهم: لا نريد أثرا بعد عين. و قال بعضهم: إنكم قد بلغتم أمنكم، و استوجبتم جوائزكم من الأمير، فلا تعجزوا عنه. و قال بعضهم: هو علي أدفعه إليكم إن شاء اللّه تعالى. فنظروا إلى سعيد و قد دمعت عيناه و اغبر لونه، و كان لم يأكل و لم يشرب و لم يضحك، منذ لقوه و صحبوه، فقالوا بأجمعهم: يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك و لم نرسل لك، الويل لنا كيف ابتلينا بك!فاعذرنا عند خالقنا، يوم الحشر الأكبر، فإنه القاضي الأكبر، و العادل الذي لا يجوز. فلما فرغوا من البكاء و المجاوبة له و لهم، قال كفيله: أسألك باللّه يا سعيد إلا ما زودتنا من دعائك و كلامك، فإنا لن نلقي مثلك أبدا.
فدعا لهم سعيد رضي اللّه تعالى عنه. ثم خلوا سبيله، فغسل رأسه و مدرعته و كساءه، و أقبل على الصلاة و الدعاء و الاستعداد للموت، ليله كله، و هم مختفون الليل كله فلما انشق عمود الصبح، جاءهم سعيد بن جبير رضي اللّه تعالى عنه فقرع الباب، فقالوا: صاحبكم و رب الكعبة، فنزلوا إليه فبكى و بكوا معه طويلا، ثم ذهبوا به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه و بشره بقدوم سعيد بن جبير، فلما مثل بين يديه قال له:
ما اسمك؟قال: سعيد بن جبير. فقال: بل أنت شقي بن كسير. قال سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك. فقال الحجاج: شقيت أنت و شقيت أمك. فقال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال: لو علمت أن بيدك لاتخذتك إلها. قال:
فما قولك في محمد صلى اللّه عليه و سلم؟قال: نبي الرحمة. قال: فما قولك في علي أ في الجنة هو أم النار؟قال: لو دخلتهما و عرفت أهلهما عرفت من فيهما. قال: فما قولك في الخلفاء؟قال: لست عليهم بوكيل.
قال: فأيهم أعجب إليك؟قال: أرضاهم لخالقه. قال: فأيهم أرضى للخالق؟قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم و نجواهم. قال: فما بالك لا تضحك؟قال: أ يضحك مخلوق خلق من الطين و الطين تأكله النار؟قال: فما بالنا نضحك؟قال: لم تستو القلوب. قال: ثم إن الحجاج أمر باللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت، و غير ذلك من الجواهر، فوضعت بين يدي سعيد، فقال سعيد رضي اللّه تعالى عنه: إن كنت جمعت هذا لتفدى به من فزع يوم القيامة، فصالح، و إلا ففزعة واحدة