حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤١٩ - الأمثال
بين أصاب زمري المرأة إلى أن قتلهما فنحاص، فوجد قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها: القبة و الذراع و اللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته، و أخذه إياها بذراعه و إسناده إياها إلى الحيية، و البكر من كل أموالهم و أنفسهم، لأنه كان بكر العيزار. و يقال: إنه لما انتظمهما بالحربة و خرج بهما كانا في الحربة كحالهما في حالة الزنا. فكان ذلك آية.
و روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، و سعيد بن المسيب، و زيد بن أسلم، أن هذه الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت، و كان قد قرأ التوراة و الإنجيل، و كان يعلم أن اللّه تعالى يرسل رسولا من العرب، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه و سلم حسده و كفر به، و كان صاحب حكمة و موعظة حسنة، و كان قصد بعض الملوك، فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم من قتلهم؟فقيل قتلهم محمد صلى اللّه عليه و سلم. فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى له ذكر في الوعل أيضا.
و قالت فرقة: إنها نزلت في رجل من بني إسرائيل، كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات، و كانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟قالت: ادع اللّه أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها. فكانت كذلك. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج، و دعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها و قالوا: ليس لنا على هذا قرار، و قد صارت أمنا كلبة نباحة، و الناس يعيروننا بها، ادع اللّه أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا اللّه لها فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها. و القولان الأولان أظهر.
و قال الحسن و ابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى اللّه عليه و سلم، كما يعرفون أبناءهم. و قال قتادة: هذا مثل ضربه اللّه تعالى لكل من عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله. قال اللّه تعالى: وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا [١] أي وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته في الدنيا و الآخرة. و لكنه أخلد إلى الأرض، أي ركن إلى الدنيا و شهواتها و لذاتها.
قال الزجاج: خلد و أخلد واحد، و أصله من الخلود و هو الدوام و المقام. يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا أقام به. و الأرض هنا عبارة عن الدنيا لأن ما فيها من العقار و الرباع كلها أرض و سائر متاعها مستخرج من الأرض. و اتبع هواه انقاد إلى ما دعاه إليه الهوى، فعوقب في الدنيا بأنه كان يلهث كما يلهث الكلب، فشبه به صورة و هيئة. قال القتبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال التعب و حال الراحة، و في حال الري و حال العطش، فضربه اللّه مثلا لمن كذّب بآيات اللّه. فقال: إن وعظته فهو ضال، و إن تركته فهو ضال كالكلب، إن طردته لهث و إن تركته على حاله لهث انتهى.
و اللهث تنفس بسرعة، و تحرك أعضاء الفم معه، و امتداد اللسان و خلقة الكلب أنه يلهث على كل حال. قال الواحدي و غيره: و هذه الآية من أشد الآي على ذوي العلم، و ذلك أن اللّه
[١] سورة الأعراف: آية ١٧٦.