حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤ - عجيبة
هو ما ترى لا علم لي بأمره، إلا أنه حمل إلى أمير المؤمنين، مع كتاب مختوم فيه ذكر حاله، لم أقف عليه، انتهى. و هذا الخبر قد رواه لحافظ أبو طاهر السلفي على غير هذه الطريقة، و هو ما أخبر به موسى الرضي قال: قال أبو الحسن علي بن محمد: دخلت على أحمد بن أبي داود، و عن يمينه قمطر فقال لي: اكشف و انظر العجب، فكشفت فخرج علي رجل طوله شبر من وسطه إلى أعلاه رجل، و من وسطه إلى أسفله صورة زاغ ذنبا و رجلا، فقال لي: من أنت؟فانتسبت له ثم سألته عن اسمه فقال:
أنا الزاغ أبو عجوه # حليف الخمر و القهوه
و لي أشياء لا تنكر # يوم القصف في الدعوه
فمنها سلعة في الظهر # لا تسترها الفروه
و منها سلعة في الصدر # لو كان لها عروه
لما شك جميع الناس # حقا أنها ركوه
ثم قال أنشدني شيئا في الغزل فأنشدته:
و ليل في جوانبه فضول # من الإظلام أطلس غيهبان [١]
كأن نجومه دمع حبيس # ترقرق بين أجفان الغواني [٢]
فصاح وا أبي و أمي!و رجع إلى القمطر و ستر نفسه، فقال ابن أبي دؤاد: و عاشق أيضا! قال ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم: إنه لما ولي البصرة، كان سنه نحو عشرين سنة، فاستصغره أهل البصرة، و قالوا له: كم سن القاضي؟فعلم أنهم استصغروه، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي عليه الصلاة قاضيا على مكة يوم الفتح، و من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي صلى اللّه عليه و سلم قاضيا على اليمن، و من كعب بن سور الذي وجه به عمر رضي اللّه تعالى عنه قاضيا على البصرة، فجعل جوابه احتجاجا. قيل: لما أراد المأمون أن يولي رجلا القضاء، وصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فرآه دميم الخلق فاستحقره، فعلم يحيى ذلك فقال: يا أمير المؤمنين سلني إن كان القصد علمي لا خلقي. فسأله فأجابه، فقلده القضاء. قال: و لم يعلم أحد غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم و أحمد بن أبي دؤاد [٣] المعتزلي و كان حنيفا، و لم يكن على الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى في محنته أشد منه. و سيأتي ذكر طرف من محنته في باب الكاف، في لفظ الكلب إن شاء اللّه تعالى. قال: و كانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها، و كان ليحيى يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، و هو أن المأمون كان في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة و لم يستطع أحد أن يحتج عليه في تحريمها غير يحيى، فقرر عنده تحريم المتعة، فقال المأمون: أستغفر اللّه تعالى، نادوا بتحريم نكاح المتعة.
[١] الأطلس: الممحو، أو الوسخ. الغيهبان: البطن.
[٢] الغواني: الحسناوات.
[٣] ابن أبي دؤاد: أبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد فرج بن جرير بن مالك، القاضي المعتزلي، له أخبار مع المعتصم الخليفة العباسي، مات سنة ٢٤٠ هـ.