حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩٧ - فائدة أخرى
و تدخل مع هذه!فاستحيا و ذهب، ثم رجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك فسبه و انتهره، و لم يلتفت إليه حتى دخلاه جميعا فماتا معا في الحمام.
فأتى الملك، فقيل له: صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فلم يقدر عليه و هرب. فقال:
من كان يصحبه؟فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا على صاحب لهم في زرع، و هو على مثل إيمانهم، فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم، و كان معه كلب، حتى آواهم الليل إلى كهف، فقالوا: نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح، فترون رأيكم فضرب اللّه على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يطلبهم، فتبعوهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم دخوله، أرعب فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فقال قائل من أصحاب الملك: أ ليس لو كنت تقدر عليهم قتلتهم؟قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف، و اتركهم فيه يموتون جوعا و عطشا، ففعل ذلك.
قال وهب: فمكثوا بعد ما سد عليهم باب هذا الكهف، زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند باب الكهف، فقال في نفسه: لو فتحت باب هذا الكهف، و أدخلت فيه غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، و رد اللّه عليهم أرواحهم من الغد، حين أصبحوا.
قال محمد بن اسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح، يقال له تاودوسيوس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا و ثمانين سنة، فتحزب الناس في ملكه، و كانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن باللّه و يعلم أن الساعة حق، و منهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح، و شكا إلى اللّه و تضرع إليه، و حزن حزنا شديدا، لما رأى أهل الباطل يزيدون و يظهرون على أهل الحق، و يقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، و إنما تبعث الأرواح و لا تبعث الأجساد، فأما الجسد فتأكله الأرض، و نسوا ما في الكتاب.
فجعل تاودوسيوس يرسل إلى كل من يظن فيه خيرا و أنه معه على الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة، حتى كادوا يحولون الناس عن الحق و ملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تاودوسيوس، دخل بيته و أغلقه عليه و لبس مسحا، و جعل تحته رمادا ثم جلس عليه، فدأب ليلا و نهارا يتضرع إلى اللّه و يبكي مما يرى فيه الناس، و يقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث إليهم من يبين لهم.
ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف، و يبين للناس شأنهم و يجعلهم آية تبين لهم، و حجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يستجيب لعبده الصالح تاودوسيوس، و أن يتم نعمته عليه، و أن لا ينزع عنه ملكه و لا الإيمان الذي أعطاه، و أن يعبد اللّه و لا يشرك به شيئا، و أن يجمع من كان ببلده من المؤمنين، فألقى اللّه عز و جل في نفس رجل من أهل ذلك الجبل، الذي به أهل الكهف أن يبني فيه حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الأحجار، و يبنيان بها تلك الحظيرة، حتى فرغ ما على فم الكهف، و فتح عليهم باب الكهف، و حجبهم اللّه عن الناس بالرعب، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم، من يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم،