حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩٦ - فائدة أخرى
ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس، يكتمان إيمانهما، كان اسم أحدهما مندروس، و الآخر دوماس، ائتمرا أن يكتبا أسماء الفتية و أنسابهم و خبرهم، في لوح رصاص يجعلاه في تابوت من نحاس، ثم يجعلا التابوت في البنيان، و قالا: لعل اللّه يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين، قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم خبرهم، حين يقرأ هذا الكتاب. ففعلا ثم بنيا عليهم فبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات و قومه و قرون بعد ذلك كثيرة، و خلفاء الملوك بعد الملوك.
و قال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب [١] ، و كان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم، في زي و موكب، و أخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون اللّه، و قد قذف اللّه في قلوب الفتية الإيمان، و كان أحدهم وزير الملك، فآمنوا و أخفى كل واحد منهم الإيمان عن أخيه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يظهر بعضهم على بعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لئلا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره، من غير أن يظهر له ذلك، فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاءوا و جلسوا إليهما.
و اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟و قال آخر: ما حملكم؟و كل واحد يكتم عن صاحبه إيمانه، مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم ليفش كل واحد منهما لصاحبه أمره، فخرج فتيان منهم، فتوافقا. ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد، فإذا هم جميعا على أمر واحد، و هو الإيمان، و إذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، و يهيئ لكم من أمركم مرفقا، فدخلوا الكهف و معهم كلب صيدهم، فناموا ثلاثمائة سنة و ازدادوا تسعا.
و فقدهم الملك و قومهم فطلبوهم فعمى اللّه عليهم آثارهم و كهفهم، فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم و أنسابهم في لوح من رصاص: فلان و فلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان، و وضعوا اللوح في خزانة الملك و قالوا: ليكونن لهذا شأن و مات ذلك الملك و جاء قرن من بعد قرن.
و قال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها إلا سجد له، فكره أن يدخلها و أتى حماما قريبا من تلك المدينة، فكان فيه و كان يؤاجر نفسه من الحمامي في حمامه، و يعمل فيه و رأى الحمامي في حمامه البركة، و درّ عليه الرزق، فجعل يقوم عليه و علقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء و الأرض، و خبر الآخرة، حتى آمنوا باللّه و صدقوه. و كانوا على مثل حاله من حسن الهيئة، و كان شرط على صاحب الحمام، أن الليل لا يحول بيني و بينه أحد، و لا بين الصلاة، و كان على ذلك، حتى أتى ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحمامي، و قال له: أنت ابن الملك
[١] الذوائب: خصلات من الشعر.