حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩٥ - فائدة أخرى
إلى عبادة الأصنام، و كانوا سبعة فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم، فخرجوا من البلد فآووا إلى الكهف و هو قريب من البلدة، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة و الصيام و التسبيح و التكبير و التحميد، ابتغاء وجه اللّه، و جعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، يقال له تمليخا، فكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا، و كان من أجملهم و أجلدهم، فكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، و يلبس كثياب المساكين، الذين يطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة ثم ينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما و شرابا، و يسمع و يتجسس لهم الخبر، هل ذكر أصحابه بشيء أم لا ثم يرجع إلى أصحابه.
فلبثوا كذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة فأمر العظماء، فذبحوا للطواغيت، ففزع لذلك أهل الإيمان، و كان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه الطعام و الشراب، فرجع لأصحابه و هو يبكي و معه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، و أنهم قد ذكروا مع عظماء المدينة، ليذبحوا الطواغيت، فلما أخبرهم فزعوا و وقعوا سجدا يدعون اللّه تعالى، و يتضرعون إليه، و يتعوذون به من الفتنة، ثم إن تمليخا قال لهم: يا اخوتاه ارفعوا رءوسكم و أطعموا من رزق اللّه، و توكلوا عليه، فرفعوا رءوسهم و أعينهم تفيض من الدمع، حزنا و خوفا على أنفسهم، فطعموا منه و ذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون و يتدارسون، و يذكر بعضهم بعضا، فبينما هم على ذلك إذ ضرب اللّه على آذانهم في الكهف، و كلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، و هم مؤمنون موقنون و نفقتهم عند رءوسهم.
فلما كان الغد تفقدهم دقيانوس و التمسهم فلم يجدهم، فقال لبعض أصحابه: قد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا بي غضبا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، و ما كنت لأجهل عليهم، و لا على واحد منهم إن تابوا و عبدوا إلهي.
فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، مقيمين على ظلمهم و معصيتهم، قد كنت أجلتهم أجلا، و لو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجل، و لكنهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك: غضب غضبا شديدا، ثم أرسل إلى آبائهم فسأل عنهم؛ ثم قال:
أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني؟فقالوا له: أما نحن فلن نعصيك، فلم تقتلنا بقوم مردة ذهبوا بأموالنا فأهلكوها بأسواق المدينة، ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل يقال له منحلوس، فلما قالوا له ذلك، خلى سبيلهم، و جعل ما يدري ما يفعل بالفتية، فألقى اللّه في نفس دقيانوس أن يأمر بالكهف فيسد عليهم.
و أراد اللّه أن يذكرهم و يجعلهم آية، و يستخلف من بعدهم، و أن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور، و يدعوهم كما هم في الكهف يموتون عطشا و جوعا، و ليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم، و هو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم. و قد توفى اللّه أرواحهم وفاة النوم، و كلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشيه ما غشيهم ذات اليمين و ذات الشمال.