حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٥٦ - فائدة
عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون، فقالوا: ليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم.
و كان فرعون يجمع بين القبطي و الإسرائيلي على الإناء الواحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، و ما يلي القبطي دما، حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل، حين جهدهم العطش، فتقول: اسقيني من مائك، فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما، حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجته في فيها صار دما، و إن فرعون اعتراه العطش حتى إنه اضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها، يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا، فمكثوا كذلك أسبوعا من السبت إلى السبت لا يشربون إلا الدم. و قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى عليه السلام، و قالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك، و نرسل معك بني إسرائيل، فدعا لهم فرفع عنهم الدم، فلم يؤمنوا. فذلك قوله [١] قوله عز و جل: فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ و هو ما ذكره اللّه من الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم. و قال ابن جبير: الرجز الطاعون، و هو العذاب السادس بعد الآيات الخمس حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد.
روينا عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما: أسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول في الطاعون شيئا؟فقال أسامة: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول [٢] : «الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» .
فسألوا موسى عليه السلام فدعا ربه فكشفه عنهم، فتمادوا في كفرهم و طغيانهم إلى أن أغرق اللّه تعالى فرعون و ملأه في اليم و قد تقدم ذكر غرقه، في باب الحاء المهملة، في لفظ الحصان.
قال سعيد بن جبير و محمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، و عاش ستمائة و عشرين سنة، لا يرى مكروها، و لو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو حمى ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط.
و قد ظفرت بهذه القصة مختصرة، فأوردتها عقب هذا، لتحصل الفائدة، و هو أن موسى عليه السلام مشى بعصاه إلى كثيب أعفر مهيل، فضربه فانتشر كله قملا في مصر، ثم إنهم قالوا:
ادع لنا ربك في كشف هذا عنا فدعا فكشف عنهم، فرجعوا إلى طغيانهم، فبعث اللّه عليهم الضفادع، فكانت تدخل في فرشهم و بين ثيابهم، و إذا هم الرجل أن يتكلم دخلت الضفادع في فيه و تلقي نفسها في القدر، و هي تغلي. فقالوا: ادع لنا ربك يكشفها فكشف عنهم، فرجعوا إلى كفرهم، فبعث اللّه تعالى عليهم الدم، فرجع ماؤهم الذي كانوا يشربونه دما، فكان الرجل منهم إذا استقى من البئر و ارتفع إليه الدلو عاد دما. و قيل: سلط اللّه تعالى عليهم الرعاف.
[١] سورة الأعراف: آية ١٣٥.
[٢] رواه البخاري: أنبياء ٥٤، و مسلم: سلام ٩٣. و الموطأ: مدينة ٢٣.