حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٨١ - فائدة
مؤبدا. فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش، فإنها باغترارها بظاهر الضوء، إن احترقت، تخلصت في الحال، و الآدمي يبقى في النار أبد الآباد، أو مدة مديدة، و لذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش و أنا آخذ بحجزكم» [١] . انتهى. و لقد أجاد مهلهل بن يموت [٢] في قوله [٣] :
جلّت محاسنه عن كلّ تشبيه # و جلّ عن واصف في الحسن يحكيه
انظر إلى حسنه و استغن عن صفتي # سبحان خالقه سبحان باريه
النرجس الغضّ و الورد الجني له # و الأقحوان النضير الغض في فيه
دعا بألحاظه قلبي إلي عطبي # فجاءه مسرعا طوعا يلبيه
مثل الفراشة تأتي إذا ترى لهبا # إلى السراج فتلقي نفسها فيه
و قال [٤] عون الدين العجمي [٥] :
لهيب الخدّ حين بدا لطرفي # هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالا # و ها أثر الدخان على الحواشي
فائدة
: قال اللّه تعالى: يَوْمَ يَكُونُ اَلنََّاسُ كَالْفَرََاشِ اَلْمَبْثُوثِ [٦] شبههم بالفراش في الكثرة و الانتشار، و الضعف و الذلة، و التطاير إلى الداعي، من كل جانب كما يتطاير الفراش.
روى مسلم عن جابر رضي اللّه تعالى عنه: قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إن مثلي و مثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب و الفراش يقعن فيها، و هو يذبهن عنها و أنا آخذ بحجزكم عن النار و أنتم تتفلتون من يدي» [٧] و روى مسلم أيضا عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم انتهي به إلى سدرة المنتهى، و هي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، و إليها ينتهي ما يهبط به و من فوقها، فيقبض منها، قال تبارك و تعالى: إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ مََا يَغْشىََ [٨] قال: فراش من ذهب. و روى البيهقي، في الشعب عن النواس بن سمعان رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال [٩] : «ما لي أراكم تتهافتون في الكذب، تهافت الفراش في النار، كل الكذب مكتوب إلا الكذب في الحرب، و الكذب في إصلاح ذات البين، و كذب الرجل على امرأته ليرضيها» .
[١] رواه ابن حنبل: ٦/٤٥٤.
[٢] ابن يموت: مهلهل بن يموت بن المزرع العبدي، من شعراء مصر أيام الدولة الإخشيديّة. توفي سنة ٣٣٤ هـ.
[٣] الأبيات في وفيات الأعيان: ٧/٥٩.
[٤] الأبيات في وفيات الأعيان: ٦/٢٥٢.
[٥] عون الدين أبو الربيع سليمان بن بهاء الدين عبد المجيد بن العجمي الحلبي المتوفي سنة ٦٥٦ هـ.
[٦] سورة القارعة: آية ٤.
[٧] رواه البخاري: أنبياء: ٤٠. و مسلم: فضائل ١٧، ١٨، ١٩.
[٨] سورة النجم: آية ١٦.
[٩] رواه ابن حنبل: ٦-٤٥٤.