حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٢٣ - عنقاء مغرب و مغربة
ذكر، و حاله كحال هذه البئر، في ايحاشه بعد الأنس، و افقاره بعد العمران، فلا يستطيع أحد أن يدنو منه على أميال لما يسمع من عزيف الجن و الأصوات المنكرة، بعد النعيم و العيش الرغد، و انتظام الأهل كالسلك، فبادوا و ما عادوا. فذكرهم اللّه تعالى في هذه الآية موعظة و ذكرى و تحذيرا من غب المعصية و سوء عاقبة المخالفة نعوذ باللّه من ذلك.
و روى محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أول الناس دخولا الجنة يوم القيامة عبد أسود» و ذلك أن اللّه تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل تلك القرية عدوا على ذلك النبي فحفروا له بئرا، فألقوه فيها، ثم ألقوا عليه حجرا ضخما، فكان ذلك العبد الأسود يذهب و يحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه و يشتري به طعاما و شرابا، ثم يأتي إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، و يعينه اللّه عليها، ثم يدلي إليه طعامه و شرابه، ثم يرد الصخرة كما كانت. فمكث كذلك ما شاء اللّه. ثم ذهب يحتطب يوما، كما كان يصنع، فجمع حطبه و حزم حزمته، و فرغ منها فلما أراد أن يحملها، أخذته سنة من النوم، فاضطجع فنام فضرب اللّه على أذنه سبع سنين، ثم إنه هب فتمطى لشقه الآخر، فاضطجع فضرب اللّه على أذنه سبع سنين، ثم إنه هب فاحتمل حزمته و لا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم إنه اشترى طعاما و شرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى البئر و التمس النبي فلم يجده، و قد كان بدا لقومه ما بدا، فاستخرجوه و آمنوا به و صدقوه، فكان النبي يسألهم عن ذلك العبد الأسود ما فعل به فيقولون: لا ندري حتى قبض اللّه ذلك النبي، و أهب اللّه ذلك العبد الأسود من نومته بعد ذلك. فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إن ذلك العبد الأسود لأوّل من يدخل الجنة» .
قلت: و قد ذكر في هذا الحديث أنهم آمنوا بنبيهم الذي استخرجوه من الحفرة، فلا ينبغي أن يكونوا المعنيين بقوله تعالى: وَ أَصْحََابَ اَلرَّسِّ* [١] لأن اللّه تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم تدميرا إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها، بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة و آمنوا به، فيكون ذلك وجها.
قال ابن خلكان: و رأيت في تاريخ أحمد بن عبد اللّه بن أحمد الفرغاني نزيل مصر أن العزيز بن نزار ابن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان، ما لم يجتمع عند غيره، فمن ذلك العنقاء، و هو طائر جاءه من صعيد مصر، في طول البلشون، لكنه أعظم جسما منه، له لحية و على رأسه وقاية، و فيه عدة ألوان و مشابهة من طيور كثيرة، و قد تقدم، عن الزمخشري، أن العنقاء انقطع نسلها، فلا توجد اليوم في الدنيا.
و في آخر ربيع الأبرار، في باب الطير عن ابن عباس، قال: إن اللّه تعالى خلق، في زمن موسى عليه الصلاة و السلام، طائرا يسمى العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، و وجه كوجه الإنسان، و أعطاها اللّه تعالى من كل شيء قسطا، و خلق لها ذكرا مثلها، و أوحى إلى موسى أني خلقت طائرين عجيبين، و جعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، و جعلتهما زيادة فيما
[١] سورة ق: آية ١٢.