حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٩٧ - إشارة
فافتخرت الفرس بوضع النرد، فوضع صصّة الهندي الحكيم الشطرنج، لملك الهند، فقضت حكماء ذلك العصر بترجيح الشطرنج على النرد. و أردشير بالراء المهملة، و قيل بالزاي، هو الذي أباد ملوك الطوائف، و مهد لنفسه الملك. و هو جد ملوك الفرس الذين أخرجهم يزدجرد بكسر الجيم. و انقرض ملكهم في خلافة عثمان رضي اللّه تعالى عنه سنة اثنتين و ثلاثين من الهجرة انتهى.
و الصواب أن الملك الذي وضع له الشطرنج بلهيت، كما قاله شيخنا اليافعي [١] و غيره، و أنه لما قدمه للملك و أراه طريقة اللعب به، أعجب الملك إعجابا عظيما، و قال له: تمن علي فقال: أتمنى عليك أيها الملك أن يوضع درهم في أول بيوت الرقعة، و يضاعف إلى آخرها، فقال له الملك: ما هذا القدر أفسدت علينا ما صنعت!فقال الوزير: مهلا أيها الملك، فإن خزائنك و خزائن ملوك أهل الأرض تنفدون ذلك!و قد أغفل ابن خلكان من وصف النرد أشياء منها: أن الاثني عشر بيتا التي في الرقعة مقسومة أربعة، على عدد فصول السنة، و منها أن الثلاثين قطعة بيض و سود كالأيام و الليالي. و منها أن الفصوص مسدسة، إشارة إلى أن الجهات ست لا سابع لها. و منها أن ما فوق الفصوص و تحتها كيفما وقعت سبع نقط عدد الأفلاك، و عدد الأرضين، و عدد السموات، و عدد الكواكب السيارة. و منها أنه جعل تصرف اللاعب في تلك الأعداد لاختياره و حسن التدبير بعقله. كما يرزق العاقل شيئا قليلا فيحسن التدبير فيه، و يرزق المفرط شيئا كثيرا فلا يحسن التصرف فيه، فالنرد جامع لحكم القضاء و القدر و حسن التصرف لاختيار لاعبه، و الشطرنج مفوض لاختيار اللاعب و عقله و تصرفه، و الجيد أو الرديء. و تفضيل الشطرنج على النرد فيه نظر.
و السطرنج بكسر السين المهملة على وزن جردحل، و هو الضخم من الإبل و قد جوز في الشطرنج أن يقال بالشين المعجمة، لجواز اشتقاقه من المشاطرة و أن يقال بالسين المهملة لجواز أن اشتق من التسطير، عند التعبية قاله في درة الغواص. و مما قيل في الشطرنج:
و خيل قد رأيت إزاء خيل # يساق بها كأكياس الرياح
بميمنة و ميسرة و قلب # كتعبية الكتائب للبطاح
إذا ما قتلوا نشروا و عادوا # صحاحا لم يصابوا بالجراح
بغير عداوة كانت قديما # و لكن للتلذذ و المزاح
إشارة
: لعب الشطرنج مكروه كراهة تنزيه، و قيل: حرام، و قيل: مباح، و الأول أصح.
و قال مالك و أبو حنيفة و أحمد: إنه حرام. و وافقهم من أصحابنا الحليمي و الروياني. و روى البيهقي أن محمد بن سيرين، و هشام بن عروة بن الزبير، و بهز بن حكيم، و الشعبي و سعيد بن جبير، كانوا يلعبون بالشطرنج، و قال الشافعي: كان سعيد بن جبير يلعب بالشطرنج استدبارا من وراء ظهره. و روى الصعلوكي تجويزه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه،
[١] اليافعي: أبو بكر بن محمد بن عبد اللّه بن إبراهيم قاضي يمني شهير، مات سنة ٥٥٢ هـ.