حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٨٣ - الأمثال
و استرسلت إليه و عولت في أمورها عليه.
و كان قصير رجلا حسن العقل و الوجه، أديبا لبيبا، فقالت له يوما: إني أريد أن أغزو البلد الفلانية من أرض الشأم، فاخرج إلى العراق و ائتني بكذا و كذا من الدروع و الكراع، و العبيد و الثياب، فقال قصير: لي ببلاد عمرو بن عدي ألف بعير، و خزانة من المال، و خزانة من السلاح، فيها كذا و كذا، و ما لعمرو بها من علم، و لو علم بها لأخذها، و استعان بها على حرب الملكة، و قد كنت أتربص به ريب المنون، و ها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فآتي الملكة بذلك، مع الذي سألت، فأعطته من المال ما أراد، و قالت: يا قصير الملك يحسن بمثلك، و على يد مثلك يصلح أمره، و قد بلغني أن جذيمة كان إيراده و إصداره إليك، و ما أقصر بك عن شيء تناله يدي، و لا يقعد بك حال تنهض بي. فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: إنه أسد خادر، و ليث ثائر، قد تحفز للوثبة.
و لما عرف قصير مكانه منها، و تمكنه من قلبها، قال: الآن طاب الخداع، و خرج من عندها، فأتى عمرو بن عدي فقال: قد أصبت الفرصة من الزباء، فقال له عمرو: قل أسمع و مر اقبل، فأنت طبيب هذه القرحة. فقال: الرجال و الأموال. فقال عمرو: حكمك فيما عندي مسلط، فعمد إلى ألفي رجل من فتاك قومه، و صناديد أهل مملكته، فحملهم على ألف بعير، في الغرائر السود بالأسلحة، و جعل ربطها من داخل الجوالق. و كان عمرو منهم، و ساق الخيل و الكراع و السلاح و الإبل محملة.
قال ابن هشام: فكان يسير بالليل و يكمن بالنهار، و كانت الزباء قد صور لها عمرو قائما و قاعدا و راكبا، و غمي عليها أمر قصير، فسألت عنه فقيل: أخذ الغوير. فقالت: «عسى الغوير أبؤسا» [١] ، فأرسلتها مثلا. و عسى، في المثل، بمعنى صار، و لذلك أتى الخبر بغير الفعل، فلما قدم قصير دخل على الزباء و كان قد تقدم على العير، فقال لها: قفي و انظري إلى العير، فصعدت على سطح قصرها و جعلت تنظر إلى العير مثقلة بحمل الرجال فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيد # أ جندلا يحملن أم حديدا [٢]
أم صرفانا باردا شديدا # أم الرجال جثما قعودا
و كان قصير قد وصف لعمرو الزباء، و شأن النفق، فلما دخلت العير المدينة، و كان على باب الزباء بوابون من النبط، و فيهم رجل بيده مخصرة، فطعن جوالقا، فأصابت المخصرة رجلا منهم فضرط، فقال البواب بالنبطية: بشا بشا أي الشر الشر، فاستل قصير سيفه و ضرب به البواب فقتله. و كان عمرو على فرسه فدخل الحصن عقب الإبل و حل الرجال الجوالق، فظهروا في المدينة، و وقف عمرو على باب النفق، فلما رأت الزباء عمرا، عرفته بالصفة، فمصت خاتما في يدها مسموما، و قالت: بيدي لا بيد عمرو، فماتت. و يقال: إن عمرا قتلها بالسيف، و قال ابن الجوزي: إن الزباء، لما رأت الإبل تتهادى بأحمالها، ارتابت بها، و كان قد وشى بقصير إليها،
[١] جمهرة الأمثال: ٢/٤٥.
[٢] جندل: صخر.