حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٨٢ - الأمثال
فيض» [١] ، فأرسلتها مثلا فلما قضى أمرت به فدفن.
و أما عمرو فكان يخرج كل يوم إلى ظهر الحيرة يطلب الخبر، و يقتفي من خاله الأثر، فخرج ذات يوم، فإذا فارس قد أقبل، تهوي به الفرس هوي الريح، فقال عمرو بن عدي: أما الفرس ففرس جذيمة و أما الراكب فكالبهيمة «لأمر ما جاءت العصا» ، فأرسلها مثلا، فأشرف قصير فقال: ما وراءك؟قال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على الرغم من أنفي و أنفه. ثم قال لعمرو بن عدي: أطلب بثأرك من الزباء، فقال عمرو: و أنى يطلب من الزباء و هي «أمنع من عقاب الجو» [٢]
فأرسلها مثلا. فقال له قصير: قد علمت نصحي لخالك، و كأن الأجل طالبه، و أنا و اللّه لا أنام عن الطلب بدمه، ما لاح نجم أو طلعت شمس، أو أدرك به ثأرا، أو تخترم نفسي فأعذر. ثم إنه عمد إلى أنفه فجدعه. و قال ابن هشام: إن قصيرا قال لعمرو: اجدع أنفي و اقطع آذاني، و اضرب ظهري حتى يؤثر فيه، و دعني و إياها، ففعل به عمرو ذلك. و ذكر الاخباريون أن عمرا أبى عليه ففعل هو بنفسه ذلك، فقيل: «لأمر ما جدع قصير أنفه» [٣] .
قال ابن الجوزي: ثم إن قصيرا لحق بالزباء هاربا من عمرو بن عدي، فقيل لها: هذا قصير ابن عم جذيمة، و خازنه و صاحب أمره، قد أتاك هاربا، فأذنت له و قالت: ما الذي جاء بك إلينا يا قصير، و بيننا و بينك دم عظيم الخطر؟فقال: يا ابنة الملوك العظام، لقد أتيت فيما يأتي فيه مثلي إلى مثلك، و لقد كان دم الملك، يعني أباها، يطلب جذيمة حتى أدركه، و قد جئتك مستجيرا من عمرو بن عدي، فإنه اتهمني بخاله لمشورتي عليه في المسير، إليك فجدع أنفي، و أخذ مالي، و جلد ظهري، و قطع آذاني، و حال بيني و بين أهلي، و تهددني بالقتل، و إني خشيت على نفسي، فهربت منه إليك، و أنا مستجير بك، و مستند إلى كنف عزك. فقالت له: أهلا و سهلا، لك حق الجوار، و ذمة المستجير.
و أمرت به فأنزل، و أجرت له النفقات و وصلته و كسته و أخدمته، و زادت في إكرامه. فأقام مدة لا يكلمها و لا تكلمه، و هو يطلب الحيل عليها، و موضع الفرصة منها، و كانت ممتنعة بقصر مشيد على باب النفق تعتصم به، فلا يقدر أحد عليها، فقال لها قصير يوما: إن لي في العراق مالا كثيرا، و ذخائر نفيسة مما يصلح للملوك، فإذا أذنتني في الخروج إلى العراق، و أعطيتني شيئا أتعلل به في التجارة، و اجعله سببا إلى الوصول إلى مالي، أتيتك بما قدرت عليه من ذلك. فأذنت له و أعطته مالا فقدم به إلى العراق، و أخذ مالا جزيلا، ثم رجع إلى الزباء، و قد استصحب من ظرائف العراق و لطائفها و زادها مالا كثيرا إلى مالها.
قال: فلما قدم عليها، أعجبها ذلك و أبهجها و عظمت منزلته عندها، ثم إنه عاد إلى العراق ثانية، و قدم عليها بأكثر من النوبة الأولى، و زادها أضعافا من الجوهر و الخز و البز و القز و الديباج، فازداد مكانه منها، و عظمت منزلته عندها، و رغبتها فيه و لم يزل قصير يتلطف في الحيلة، حتى عرف موضع النفق الذي تحت الفرات، و الطريق إليه. ثم خرج ثالثة، فقدم بأكثر من المرتين الأوليين ظرائف و لطائف، فبلغ مكانة عظيمة منها، حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها،
[١] المستقصى: ٢/١٧٨.
[٢] جمهرة الأمثال: ١/٢٣٤.
[٣] مجمع الأمثال: ٢/١٩٦.