حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٧٦ - العقاب
و في تاريخ صاحب حماه [١] و غيره، أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر و لا عن أخته عباسة بنت المهدي، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها، و لا تمسها فكانا يحضران مجلسه، ثم يقوم الرشيد من المجلس، فيمتلئان من الشراب و هما شابان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها فحملت و ولدت غلاما، و خافت الرشيد فوجهت المولود مع خواص لها إلى مكة، و لم يزل الأمر مستورا، حتى وقع بين عباسة و بين بعض جواريها شر، فأنهت أمر الصبي، و أخبرت بمكانه و من معه من جواريها و ما معه من الحلي. فلما حج الرشيد أرسل من أتاه بالصبي و خواصه فوجد الأمر صحيحا فأوقع بالبرامكة.
و قيل: إنما قتل الرشيد جعفرا لأنه كان قد حاز ضياع الدنيا لنفسه، و كان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة و لا بستان إلا قيل: هذا لجعفر، فلم يزل كذلك حتى جنى جعفر على نفسه، بأن وجه فقطع رأس بعض الطالبين من غير أن يكون أمر بقتله، فاستحل الرشيد بذلك دمه. و قيل:
كان سبب قتله أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها و فيها هذه الأبيات [٢] :
قل لأمين اللّه في أرضه # و من إليه الحلّ و العقد
هذا ابن يحيى قد غدا مالكا # مثلك ما بينكما حد
أمرك مردود إلى أمره # و أمره ليس له رد
و قد بنى الدار التي ما بنى # الفرس لها مثلا و لا الهند
و الدرّ و الياقوت حصباؤها # و تربها العنبر و النّد [٣]
و نحن نخشى أنه وارث # ملكك إن غيبك اللحد
و لن يباهي العبد أربابه # إلا إذا ما بطر العبد
فلما وقف الرشيد عليها أضمر له الشر و أوقع به. و قيل: بل أرادت البرامكة إظهار الزندقة و فساد الملك، فأوقع بهم و قتلهم. قلت: و هو قول بعيد لا أعتقد صحته.
و قيل: إن مسرورا قال: سمعت الرشيد سنة حج و هي سنة ست و ثمانين و مائة، يقول في الطواف: اللهم إنك تعلم أن جعفرا قد وجب عليه القتل، و أنا أستخيرك في قتله فخر لي. و إن الرشيد لما عاد إلى الأنبار، بعث إليه بمسرور و حماد فوافياه، و المغني يغنيه [٤] :
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي # عليه الموت يطرق أو يغادي
فقال مسرور: لذلك جئت، قد و اللّه طرقك الأمر، أجب أمير المؤمنين، فتصدق بأمواله، و أعتق عبيده، و أبرأ الناس من حقوقه. ثم أتى به إلى المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه و قيده بقيد حمار، و أخبر الرشيد. فقال: ائتني برأسه!فعاوده فيه مرتين، فشتمه و صاح عليه. فدخل عليه و احتز رأسه و جاء به إليه. و ذلك في مستهل صفر سنة سبع و ثمانين و مائة، و هو ابن سبع
[١] إسماعيل بن علي المتوفي سنة ٧٣٢ هـ.
[٢] وفيات الأعيان: ١١/٣٣٥.
[٣] النّد: البخور.
[٤] وفيات الأعيان: ١/٣٣٨.