حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٧٥ - العقاب
لسانه، فإنه يغلب الخصم في المقاولة، و يبقى مقضي الحاجة. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب النون نظير هذا، في لفظ النسر.
و أول من صاد بها و أدبها أهل المغرب، يحكى أن قيصر ملك الروم أهدى إلى كسرى ملك فارس عقابا، و كتب إليه علمها فإنها تعمل عملا لا يدركه أكثر الصقور، فأمر بها فعلمت و صاد بها فأعجبته ثم جوعها ليصيد بها، فوثبت على صبي من حاشيته فقتلته. فقال كسرى: غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش. ثم أهدى كسرى إليه نمرا أو فهدا، و كتب إليه: قد بعثت إليك بما تقتل به الظباء و ما قرب منها من الوحش، و كتم عليه ما صنعته العقاب، فأعجب به قيصر، إذ وافقت صفته ما وصف، فغفل عنه يوما، فافترس فتى من بعض فتيانه. فقال: صادنا كسرى فإن كنا قد صدناه فلا بأس، فلما بلغ ذلك كسرى قال: أنا أبو ساسان.
و ذكر ابن خلكان، في ترجمة [١] جعفر بن يحيى البرمكي و غيره، عن الأصمعي قال: لما قتل الرشيد جعفرا، طلبني ليلا فجئته و أنا خائف، فأومأ إليّ بالجلوس فجلست، فالتفت إليّ و قال:
أبيات أحببت أن تسمعها، قلت: إن شاء أمير المؤمنين فأنشدني:
لو أن جعفر خاف أسباب الردى # لنجا به منها طمر ملجم
و لكان من حذر المنية حيث لا # يرجو اللحاق به العقاب القشعم
لكنه لما أتاه يومه # لم يدفع الحدثان عنه منجم
فعلمت أنها له فقلت: إنها أحسن أبيات. فقال: الحق الآن بأهلك. ففكرت فلم أعرف لذلك معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره و أحكيه.
و قد حكى أهل التاريخ، في سبب قتل جعفر حكايات مختلفة، منها ما روي عن أبي محمد اليزيدي، أنه قال: من قال إن الرشيد قتل جعفرا بغير سبب يحيى بن عبد اللّه العلوي فلا تصدقه، و ذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم إن جعفر بن حسن، دعا به ليلة من الليالي، و سأله عن أمره فأجابه، ثم إن يحيى قال له: اتق اللّه فيّ يا جعفر، و لا تتعرض إلى دمي، فيكون رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خصمك يوم القيامة، فو اللّه ما أحدثت حدثا، و لا آويت محدثا. فرق له جعفر و أطلقه بعد أن استحلفه أن لا يحدث حدثا، و بعث معه من أوصله إلى مأمنه. فنقل ذلك إلى الرشيد، فقال لجعفر: ما فعل بيحيى بن عبد اللّه؟قال: على حاله يا أمير المؤمنين في السجن، و الأكبال الثقيلة، فقال: بحياتي؟فأحجم لها جعفر. و كان من أصح الناس فكرا، فهجس في نفسه أنه قد علم شيئا من أمره. فقال: لا و حياتك يا أمير المؤمنين، بل أطلقته، لعلمي أن لا مكروه لديه، فأظهر الرشيد الاستحسان لذلك، و أسرها في نفسه، و قال: نعم ما فعلت، ما عدوت عما كان في خاطري. فلما خرج، أتبعه الرشيد بصره، و قال: قتلني اللّه بسيوف العدا على الضلالة إن لم أقتلك.
[١] وفيات الأعيان: ١/٣٢٨. و الأبيات دون عزو في وفيات الأعيان ١/٣٣٩.