البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ١٨ - بغداد
و اختطت العرب في هاتين المدينتين خططها إلا أن القوم جميعا قد انتقل وجوههم وجلتهم و مياسير تجارهم [١] إلى بغداد.
و لم ينزل بنو أمية العراق لأنهم كانوا نزولا بالشام، و كان معاوية بن أبي سفيان [٢] عامل الشام لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفان [٣] عشرين سنة، و كان ينزل مدينة
[١] مياسير تجارهم: التجار الأغنياء الموسرين.
[٢] معاوية بن «أبي سفيان» صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي المولود سنة ٢٠ ق. ه/ ٦٠٣ م، مؤسس الدولة الأموية في الشام، أحد دهاة العرب المتميزين الكبار. كان فصيحا حليما و قورا. ولد بمكة، و أسلم يوم فتحها سنة ٨ ه، و تعلّم الكتابة و الحساب فجعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عداد كتّابه، و لما ولي أبو بكر ولّاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء، و عرقة، و جبيل، و بيروت. و لما ولي عمر جعله واليا على الأردن، و رأى فيه حزما و علما فولّاه دمشق بعد موت أميرها يزيد (أخيه) و جاء عثمان فجمع له الديار الشامية كلها و جعل ولاة أمصارها تابعين له. قتل عثمان فولي علي بن أبي طالب فوجّه لفوره بعزل معاوية، علم معاوية بالأمر قبل وصول البريد، فنادى بثأر عثمان و اتّهم علي بن أبي طالب بدمه، و نشبت الحروب الطاحنة بينه و بين علي. و انتهى الأمر بإمامة معاوية في الشام، و إمامة علي بن أبي طالب في العراق، ثم قتل علي بن أبي طالب و بويع بعده ابنه الحسن بن علي بن أبي طالب، فسلّم الخلافة إلى معاوية سنة ٤١ ه. و دامت لمعاوية الخلافة إلى أن بلغ سنّ الشيخوخة، فعهد بها إلى ابنه يزيد و مات في دمشق سنة ٦٠ ه/ ٦٨٠ م، له ١٣٠ حديثا. و هو أحد الفاتحين في الإسلام.
[٣] عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، من قريش، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، و أحد العشرة المبشرين. من كبار الرجال الذين اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره. ولد بمكة سنة ٤٧ ق. ه/ ٥٧٧ م، و أسلم بعد البعثة بقليل. و كان غنيا شريفا في الجاهلية. و من أعظم أعماله في الإسلام تجهيزه نصف جيش العسرة بماله، فبذل ثلاثمائة بعير بأقتابها و أحلاسها و تبرع بألف دينار، و صارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب سنة ٢٣ ه، فافتتحت في أيامه أرمينية، و القوقاز، و خراسان، و كرمان، و سجستان، و إفريقيا، و قبرس، و أتمّ جمع القرآن، و كان أبو بكر قد جمعه و أبقى ما بأيدي الناس من الرقاع و القراطيس، فلما ولي عثمان طلب مصحف أبي بكر و أمر بالنسخ عنه و أحرق كلّ ما عداه. و هو أول من زاد في المسجد الحرام و مسجد الرسول، و قدم الخطبة في العيد على الصلاة، و أمر بالأذان الأول يوم الجمعة، و اتخذ الشرطة و أمر بكل أرض جلا عنها أهلها أن يستعمرها العرب المسلمون و تكون لهم. و اتخذ دارا للقضاء بين الناس، و كان أبو بكر و عمر يجلسان للقضاء في المسجد، روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ١٤٦ حديثا. نقم عليه الناس اختصاصه أقاربه من بني أميّة بالولايات و الأعمال، فجاءته الوفود من الكوفة، و البصرة، و مصر، فطلبوا منه عزل أقاربه، فامتنع، فحصروه في داره يراودونه على أن يخلع نفسه، فلم يفعل،