البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ١٥ - بغداد
أبين من منطيقهم [١]، و لا أعبد من عابدهم، و لا أورع من زاهدهم، و لا أفقه من حاكمهم، و لا أخطب من خطيبهم، و لا أشعر من شاعرهم، و لا أفتك من ماجنهم.
و لم تكن بغداد مدينة [٢] في الأيام المتقدّمة، أعني أيام الأكاسرة [٣] و الأعاجم [٤]، و إنما كانت قرية من قرى طسوج بادوريا [٥].
و ذلك أن مدينة الأكاسرة التي خاروها [٦] من مدن العراق المدائن [٧]، و هي من
[١] المنطيق: البليغ. (القاموس المحيط، مادة: نطق).
[٢] كان أوّل من مصرها و جعلها مدينة المنصور بالله أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء العباسيين، و انتقل إليها من الهاشميّة. كان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده فبلغه ذلك من فعلهم، فانتقل عنهم يرتاد موضعا، فرأى موضعا طيبا، فقال لجماعة منهم سليمان بن مجالد، و أيوب المرزباني، و عبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: طيب موافق، فقال: صدقتم، و لكن لا مرفق فيه للرعية، و قد مررت في طريقي بموضع تجلب إليه الميرة (الأطعمة) و الأمتعة في البر و البحر و أنا راجع إليه و بائت فيه فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي و للناس. فأتى بعد ذلك إلى الموضع و هو بغداد و عبر موضع قصر السّلام، ثم صلى العصر، و ذلك في صيف و حرّ شديد، فبات أطيب مبيت، و أقام يومه فلم ير إلّا خيرا، فقال: هذا موضع صالح للبناء، فإنّ المادة تأتيه من الفرات و دجلة و جماعة الأنهار، و لا يحمل الجند و الرعية إلّا مثله، فخطّ البناء و قدّر المدينة و وضع أوّل لبنة بيده، فقال: بسم اللّه و الحمد للّه و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة اللّه. قيل: إنه أنفق على بنائها ثمانية عشر ألف ألف دينار، و كان أوّل العمل فيها سنة ١٤٥ ه.
(معجم البلدان ج ١/ ص ٥٤٣).
[٣] الأكاسرة: مفردها كسرى، و هو اسم كلّ ملك من ملوك الفرس. (القاموس المحيط، مادة: كسر).
[٤] الأعاجم: من ليس بعربي أو من كان جنسه من العجم الفرس أو الروم. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: عجم).
[٥] بادوريا: بالواو و الراء، ناحية من كورة الأستان بالجانب الغربي من بغداد. قيل: من استقلّ من الكتّاب ببادوريا استقل بديوان الخراج، و من استقلّ بديوان الخراج استقل بالوزارة، و ذاك لأن معاملاتها مختلفة و قصبتها الحضرة، و المعاملة فيها مع الأمراء و الوزراء و القوّاد و الكتّاب و الأشراف و وجوه الناس. (معجم البلدان ج ١/ ص ٣٧٧).
[٦] خاروها: اختاروها.
[٧] المدائن: قال يزدجرد: إن أنوشروان بن قباذ و كان أجلّ ملوك فارس حزما، و رأيا، و عقلا، و أدبا فإنه بنى المدائن، و أقام بها هو و من كان بعده من ملوك بني ساسان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قد ذكر في سير الفرس أن أوّل من اختطّ مدينة في هذا الموضع أردشير بن بابك، قالوا: لما ملك البلاد سار حتى نزل في هذا الموضع فاستحسنه فاختطّ به مدينة، و لم نجد أحدا ذكر لم سمّيت بالجمع، لكن الثابت أنها مساكن ملوك الأكاسرة من