البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٢٢ - بغداد
عزم على توجيه ابنه محمد المهدي [١] لغزو الصقالبة [٢] في سنة أربعين و مائة، فصار إلى بغداد، فوقف بها و قال: ما اسم هذا الموضع؟ قيل له: بغداد. قال:
و اللّه المدينة التي أعلمني أبي محمد بن علي أني أبنيها و أنزلها و ينزلها ولدي من بعدي.
و لقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية و الإسلام حتى يتم تدبير اللّه، إليّ و حكمه فيّ، و تصح الروايات، و تبين الدلائل و العلامات، و إلا فجزيرة بين دجلة و الفرات، دجلة شرقيها، و الفرات غربيها، مشرعة للدنيا.
كل ما يأتي في دجلة من واسط [٣] و البصرة و الأبلة [٤] و الأهواز، و فارس [٥]
[١] محمد المهدي: هو محمد بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي العباسي، أبو عبد اللّه، المهدي بالله من خلفاء الدولة العباسية في العراق، ولد سنة ١٢٧ ه/ ٧٤٤ م بإيذج من كور الأهواز، ولي بعد وفاة أبيه و بعهد منه سنة ١٥٨ ه، و أقام في الخلافة عشر سنين و شهرا، و مات في ماسبذان، صريعا عن دابته في الصيد سنة ١٦٩ ه/ ٧٨٥ م، و قيل: مسموما.
كان محمود العهد و السيرة، محببا إلى الرعية، حسن الخلق و الخلق، جوادا، يقال: إنه أجاز شاعرا بخمسين ألف دينار، و كان يجلس للمظالم، و يقول: أدخلوا عليّ القضاة فلو لم يكن ردّي للمظالم إلّا حياء منهم لكفى. و هو أول من مشي بين يديه بالقوس و النشّاب و العمد، و أول من لعب الصوالجة في الإسلام. و هو الذي بني جامع الرصافة، و تربته بها، و انمحى أثر الجامع و التربة بعد ذلك.
[٢] الصقالبة: بفتح الصاد المهملة و فتح القاف و ألف بعدها لام مكسورة و باء مفتوحة، و هم عند الإسرائيليين من بني بازان بن يافث بن نوح (عليه السّلام)، و قيل: هم من بني أشكتاز بن توغرما بن كومر بن يافث. (صبح الأعشى ج ١/ ص ٤٢٢).
[٣] واسط: سميت واسط لأنها متوسطة بين البصرة و الكوفة لأن منها إلى كل واحد منهما خمسين فرسخا، لا قول فيه غير ذلك إلّا ما ذهب إليه بعض أهل اللغة حكاية عن الكلبي أنه كان قبل عمارة واسط هناك موضع يسمى واسط قصب، فلما عمّر الحجاج مدينة سمّاها باسمها و اللّه أعلم. (معجم البلدان ج ٥/ ص ٤٠٠).
[٤] الأبلة: اسم بلد كانت فيه امرأة خمّارة تعرف بهوب في زمن النبط، فطلبها قوم من النبط، فقيل لهم: هوب لّاكا، بتشديد اللام أي ليست هوب هنا، فجاءت الفرس فغلّظت، فقالت:
هوبلّت، فعرّبتها العرب، فقالت: الأبلّة. (معجم البلدان ج ١/ ص ٩٨).
[٥] فارس: ولاية واسعة و إقليم فسيح، أول حدودها من جهة العراق أرّجان، و من جهة كرمان السيرجان، و من جهة ساحل بحر الهند سيراف، و من جهة السند مكران، قيل: فارس اسم البلد و ليس باسم الرجل و لا ينصرف لأنه غلب عليه التأنيث كنعمان و ليس أصله بعربي، بل هو فارسي معرّب أصله بارس و هو غير مرتضى، فعرّب فقيل: فارس. (معجم البلدان ج ٤/ ص ٢٥٦).